أمنية الغيورين ألا تقع عين الباحثين الأجانب على بعض نصوص تفسير القرآن

0
1122
الصورة: لوحة اغتصاب السابين للرسام بوسين 1637، المصدر ويكيبيديا

المرأة المسلمة في مجلدات تفسير القرآن الكريم:  ابن أبي قلابة: إذا سبيتَ المرأة ولها زوج في قومها، فلا بأس أن تطأها!

في التفاسير والكتب التي اعتمدتها جماعة التفسير وأصحاب تآليف النقل نصوص سُمع بعض الباحثين يقول إن أمنيته في الحياة ألا تقع عين باحثين أجانب عليها خصوصاً من يهتم بتاريخ المرأة.

ومعروف عند غير المفسرين مثل علماء الانسان أن المرأة كانت سيدة في المجتمعات الأولى لأنها أساس الخلق البشري، ثم بدأ الرجل يقلص أهميتها في بداية العصر التجاري لأن تجاراً كثيرين أضافوا إلى سلعهم المرأة فصارت تُباع وتُشترى كما باقي السلع.

وفي بعض الكتب الدينية أن بعض المعابد القديمة كانت ملحقة بخيام ينكح فيها المؤمنون بالأديان تلك فتيات خًصصن لخدمة زوار المعابد، وفي تاريخ بلاد الرافدين أن أم شركن (سرجون) كانت كاهنة في معبد حملت به سفاحاً فلما وضعته أودعته سلة سُدت ثقوبها وأرسلته في الفر ات فوجده بعض سقاة الزراع فربّاه، وهي قصة لها بعض التفاصيل نفسها في روايات التوراة، مثلها مثل روايات كثيرة أصلها من بلاد الرافدين، أو مصر أو فلسطين، وغيرها.

مجتمعات العرب في الأصل مجتمعات أموّية، لكن يبدو أن بعض المفسرين تشبع بالمفاهيم اليهودية، فاعتبر بعضهم الرجال انفسهم أسيادا على المرأة، لا شريكات للأزواج وأمهات لبناته وأبنائه، فيما اختار بعض المفسرين وضعاً للتناكح مخصوصاً اعتمده “المؤمنون” ربما كان الوضع الذي يناسب المفسر لا الوضع الذي يناسب زوجته، أو يناسب الآخرين أو زوجاتهم.

أجانب كثيرون يقولون بوجود شيء مثل «وجه الاسلام القبيح»، إلا أن الوجه القبيح هو وجه مفسرين أجلّهم أصحابهم من أهل المهنة وألحقوا أسماءهم بكلام لا يستحقونه مثل «رضي الله عنهما».

لا يوجد قبح أو إساءة للنساء في الآية: «وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ الله عَلَيْكُمْ» (النساء 24)، إلا أن للشرح وجه آخر. قال الطبري: «اختلف أهل التأويل في (المحصنات) التي عناهن الله في هذه الآية. عن ابن عباس قال: كل ذات زوج، إتيانها زنًا، إلا ما سَبَيْتَ.»

هنا نجد عند مفسرين حكماً عاماً لا يفسر معنى «المحصنات »، ففسره بعضهم: «هن ذواتُ الأزواج غير المسبيَّات منهن، و(ملكُ اليمين): السَّبايا اللواتي فرَّق بينهن وبين أزواجهن السِّبَاء، فحللن لمن صِرْن له بملك اليمين، من غير طلاق كان من زوجها الحرْبيّ لها.»

ونقل الطبري عن أبي قلابة في تفسير «والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم»: «ما سبَيْتُم من النساء. إذا سبيتَ المرأة ولها زوج في قومها، فلا بأس أن تطأها.»

يا سلام على هكذا حضارة!

ورأى أبن زيد أن التعريف الذي يقول به هو التعريف الذي كان أبوه يقول به، وهو هذا: «كل امرأة محصنة لها زوج فهي مُحرَّمة، إلا ما ملكت يمينك من السبي وهي محصنة لها زوج، فلا تحرُم عليك به. قال: كان أبي يقول ذلك.»

هذا كله غير مفهوم ولا يُعرف لماذا ساقه الطبري إلى الناس على غير رغبة وما علاقة الناس به. هذا أب يقول لابنه شيء فالأمر بينه وبين أبيه مخصوص فلماذا هو في كتاب للناس جميعاً مثل تفسير الطبري؟

وربما رأى بعض الباحثين في بعض ما تقدم عجباً وربما رأى آخرون عجباً فيه كله. إذا كان الزوج في حرب لأي سبب، وانهزم جيش الزوج فما علاقة زوجته بحرب اختارها من دون استشارتها حتى يأتي المنتصر فيختطفها ويغتصبها ثم يزعم أن «إلا ما ملكت أيمانكم» تُحلّ له الاختطاف والاغتصاب؟

ليس في الآية شيء من هذا، والغموض في «أيمانكم» هو الغموض الذي يجده الباحث القانوني في أفضل قوانين العالم لأن عمل القانون ليس الاحاطة بالحالات كلها، فهذا مستحيل، وإنما ترك مهمة تحديد الحالات للقضاة. المشكلة هنا أن التحديد ليس تحديد القضاة المدربين العاربين، وإنما تحديد مفسرين لم يثبتوا في الحالات كلها أنهم يفهمون كلام القرآن جيداً، فبعض التفسير ابتكار المفسر، وبعضه ابتكار أبيه أو عمه أو خاله، أو «العناعن» التي يسوقها الطبري، ولا سبيل إلى التحقق منها، ثم لا فائدة.

أمّا وقد اشتغل بعض المفسرين بالتأوّل لا بالتأويل، وبالتقوّل لا بالقول وبالتفسّر بالتفسير، فقد وجد بعضهم أنه لا يكفي أن يُقال إن الزوجة شريكة زوجها في قرار حربه لأن أبا مفسر معين قرر ذلك، ولا أن اختطاف زوجة المحارب واغتصابها وانتزاع أطفالها من بين يديها وتغريبها ثمن ذهاب زوجها إلى حرب في حالة، واختطاف بنات المحاربين واغتصابهم وتغريبهم في حالة أخرى، لذا انتقل بعض المفسرين وخلقوا الحالة نفسها في أربع روايات مختلفة:

1) «حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن صالح أبي الخليل: أن أبا علقمة الهاشمي حدَّث، أنّ أبا سعيد الخدري حدث: أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم بعث يوم حُنين سريَّة، فأصابوا حيًّا من أحياء العرب يومَ أوطاس، فهزموهم وأصابوا لهم سبايَا، فكان ناس من أصحاب الرسول يتأثَّمون من غشيانهن من أجل أزواجهن، فأنـزل الله تبارك وتعالى: (المحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانك) منهن، فحلال لكم ذلك.»

2) «حدثني علي بن سعيد الكناني قال، حدثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن أشعث بن سوار، عن عثمان البتي، عن أبي الخليل، عن أبي سعيد الخدري قال: لما سبىَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أهلَ أوطاس، قلنا: يا رسول الله، كيف نقَعُ على نساء قد عرفنا أنسابَهنَّ وأزواجَهن؟ قال: فنـزلت هذه الآية.»

3) «حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن عثمان البتي… عن أبي سعيد الخدري قال: أصبنا نساءً من سَبْي أوطاس لهنّ أزواج، فكرهنا أن نقع عليهن ولهنَّ أزواج، فسألنا النبي صلى الله عليه وسلم، فنـزلت الآية فاستحللنا فروجَهنّ.»

4) «حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة، عن أبي الخليل، عن أبي سعيد قال: نـزلت في يوم أوطاس. أصابَ المسلمون سبايَا لهنَّ أزواج في الشرك، فقال: (والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم)، يقول: إلا ما أفاء الله عليكم. قال: فاستحللنا بها فروجَهن.»

وليس في الروايات الأربع فرق كبير، وإنما الرواية الرابعة ملفتة لأن صاحبها يزعم إن الآية عرضاً، وضمناً الله والقرآن والرسول، باركا نكبة زوجات المحاربين «فاستحللنا بها فروجَهن »، أي بالآية.

إذاً، هذا مثال على ما آل إليه حال القرآن على يد جماعة الكلام بعد غياب الرسول صلى الله عليه وسلم سيد العرب والناس أجمعين. الآيات عند بعض المفسرين سبيل استحلال فروج نساء لسن نساءهم وزوجات لسن زوجاهم، وأمهات لسن أمهات بناتهم وأولادهم. أحد أهداف القرآن، في زعم بعض جماعة التفسير، مباركة الاختطاف والاغتصاب وتشريد النساء والأمهات وتشريد أولاهن وبناتهن. المرأة في ثلاث من روايات نزول الآية ليست سوى «فرج»، وليس من الواضح كيف اتفق أصحابها على استخدام التعبير نفسه وكأن المؤلّف واحد: 1) فنـزلت الآية فاستحللنا فروجَهنّ؛ 2) فاستحللنا بها فروجَهن؛ 3) فاستحللنا بها فروجَهن.

الباحث الذي يحاول أن يجد في الآية لفظة «فرج»، أو أن يجد في الآية لفظة «سبايا»، أو أن يجد فيها شرحاً مقبولاً للفظة بسيطة مثل «المحصنات» لا يجب أن يفاجأ إذا لم يجد أياً منها. لكأنّ هم القرآن الكريم، في اعتبار بعض المفسرين، أن يقدم للمختطفين والمغتصبين المسوّغ الشرعي والقانوني لارتكاب جريمة اختطاف واغتصاب فتيات وزوجات وأمهات بريئات لا ذنب لهن سوى أن آبائهن أو أزواجهن أو أولادهن أطاعوا شخيهم الذي أمرهم بالقتال.

ربما قال البعض بعد هذه: بشع وجه مفسرين لا وجه الاسلام لأنهم عبروه إلى الجاهليّة التي نفوا وجودها في الطبيعية فيما هي في قلوبهم وعاداتهم وبنائهم النفساني والاخلاقي والاجتماعي.

وبشع الوجه مثل وجوههم الطبري لأنه نصب لهم منبراً خاطبوا من عليه الناس بتخلفهم. ليس ناقل الكفر وحده الكافر.