فروق حضارية وإنسانية واضحة في النظرة إلى المرأة بين مفسر ذي أصل فارسي مثل الطبري وبعض المفسرين العرب

3
750
مصدر الصورة: Salud180

المرأة المسلمة في مجلدات تفسير القرآن الكريم: الرجال في اعتبار ابن عباس “أمراء” على نسائهم وابن جبير أدرج الحيض ثانياً بعد الخرء، وثالثاً قبل جيف الموتى والأقذار

يُظهر تفسير الآية «الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ الله بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ» (النساء 34) الفرق الحضاري والانساني في النظرة إلى المرأة بين مفسر ذي أصل فارسي مثل الطبري وبعض المفسرين العرب. قال الطبري: «يعني بقوله جل ثناؤه أن الرجال أهل قيام على نسائهم، في تأديبهن والأخذ على أيديهن فيما يجب عليهن لله ولأنفسهم من سَوْقهم إليهنّ مهورهن، وإنفاقهم عليهنّ أموالهم، وكفايتهم إياهن مُؤَنهنّ.»

هذا هو الطبري الفارسي الثقافة، أما ابن عباس البدوي الثقافة فشاء أن يفرض على الناس تخلفه الحضاري والفكري بالزعم: «(الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ)، يعني (أي الله تعالي): أمرَاء، عليها أن تطيعه فيما أمرَها الله به من طاعته، وطاعته أن تكون محسنةً إلى أهله، حافظةً لماله، وفضَّله عليها بنفقته وسعيه.»

هل هذا ما قاله الله حقاً في الآية؟ لو شاء أن يقول “أمراء” بدل “قوامون” أما قالها من دون الحاجة إلى شخص مثل ابن عباس ينسبها إليه؟

في تفسير الآية «وَيَسأَلُونَكَ عَنِ المَحِيضِ قُل هُوَ أَذًى فَاعتَزِلُوا النِّسَآء فِى المَحِيضِ» (البقرة 222)، اتفق المفسرون مع وصف القرآن بأن المحيض «أذى» يُجتنب، إلا أنهم اختلفوا على ما يجب اجتنابه من المرأة خلال عادتها الشهرية. قال ابن عباس: «اعتزلوا نكاحَ فُروجهنّ»، فلعله قصد «اعتزلوا فُروجهنّ» لأن في الحالتين فرق. وقال مفسر آخر: «الفراش واحد، واللحاف شتى.». ونُقل عن عائشة في المسموح والممنوع أن المسموح «كل شيء» والممنوع «الفرج».

مرحى لعائشة على هذه الصراحة وللطبري الذي سمح لها بعرض رأيها في موضوع يخصها وكان أحسن لو بحث في الكتب فربما وجد لها رأياً في الحيض. ذلك أن رجلاً مثل ابن عباس افترض أن الأذى يلحق بالرجل ولم يفترض أن الأذى يمكن أن يلحق بالمرأة لأن العادة الشهرية تواكبها حالات نفسانية وجسدية كثيرة وبعضهن يعانين من الصداع وغيره من حالات الضيق، وكان ابن عباس أحسن لوسأل زوجته فربما كان عرض على الناس شيئاً مفيداً.

ولم يفعل ابن عباس ذلك ولم يعرض الطبري رأياً لعائشة في المحيض، فيُقال إذ ذاك إنه ليس في الآية ما يشير إلى نوع الأذى في الحيض، إلا أن المفسرين على شبه إجماع أن أذى تعني «قذر»، أو أنه أذى «لنتن ريحه وقذره ونجاسته». لذلك، يبدو أن نظرة المفسرين إلى وظيفة طبيعية مثل الحيض اختلفت كثيراً عن نظرة أهل جزيرة العرب كانوا أكثر تحضراً. ذلك أن حيض من الثنائي حأ/حو/حي، ومنه الحوض، فالحيض لا يعني أكثر من «السائل». إلا أن أهل الزمان الأول اعتبروا الحيض من وظائف الحياة نفسها، لأن الثنائي (حأ/حو) هذا يتضمن لفظات الحياة والماء والحوض، أي حوض الماء، ومنه حواء.

أما أهل اليمن القديم فكانوا يسمون الحائض مروشت maruštu، فلا يبدو أنها كانت تعني لهم سوى أنها حالة مخصوصة للمرأة. ولفظة مرأ (مر اختصاراً) سابقة ثلاثية للثنائي العريق *رأ، ولها معاني كثيرة، لكن الأصل واحد للرجل والمرأة (مرأ)، وإنما اقتضى تقادم الزمان تحديد النوعين فخُص الرجل بلفظة مرأ (أو مرء)، ولحقت بالاسم التاء المفتوحة للدلالة على المرأة، فهذا سبب عدم وجود جمع للمرء أو للمرأة لأن أصلهما واحد كان يعني الذكر والأنثى. وإذا قيل «مروءة» فاللفظة ليست حصراً بالرجال دون النساء.

وزعم بعض المفسرين أن «أهل الجاهلية لا تساكنهم حائض في بيت، ولا تؤاكلهم في إناءٍ»، فيما زعم آخرون أن الداعي لهذه الآية «أنهم سألوا عن ذلك، لأنهم كانوا في أيام حيضهن يجتنبون إتيانهن في مخرج الدم، ويأتونهنّ في أدبارهن.»

ولم يوضح المفسر من هم الذين “سألوا عن ذلك” وما هو مصدر الزعم أن أهل الجاهلية كانوا لا يساكنون ولا يؤاكلون الحائض. أكان في وقت الحيض للرجال بيت وللنساء لثلاثة أيام أو أربعة؟

هذا التهجم الدائم على أهل الجاهلية غير مفهوم. رسولنا الكريم ابن عبد الله وليس ابن عبد شمس، ومعروف أن كثيرين في الجاهلية كانوا يحجون ويبتهلون بقول معروف “لبيك اللهم لبيك.”
هل رجال ونساء الاسلام من أمهات المريخ أم من أمهات الجاهلية؟ وهل في تاريخ الشعوب من أساء إلى آبائهم وأجدادهم أكثر من جماعة الكلام التي أساءت إلى غير آباء معظمهم لأنهم لم يكونوا نسل عرب جزيرة العرب؟ أهذا “خذوا العرب واعطونا العربية” أم “اعطونا العربية وخذوا العرب إلى جهنم”؟

ونقل ابن منظور عن بعضهم في مطلب ذلغ: قول النابغة الجعدي يهجو ليلى الأَخيلية: «دَعي عَنْكِ الرِّجال وأَقْبِلي على؛ أَذلَغِيٍّ يَمْلأُ اسْتَكِ فَيْشَلا.» والجعدي يوصف بأنه «صحابي شاعر»، قال الكميت، وهو من شعراء العصر الأموي: «هَجَوْتُكُمْ فَتَحَجَّوْا ما أَقُول لكم؛ بالظّنِّ إِنكُمُ من جارَةِ الجار، قال أَبو الهيثم: قوله فَتَحَجَّوْا أَي تفَطَّنوا له وازْكَنُوا، وقوله من جارة الجار أَراد إِن أُمَّكم ولدتكم من دبرها لا من قبلها، وأَراد إِن آباءكم يأْتون النساء في مَحاشِّهِنَّ» (السان العرب، حجا).

إتيان المرأة من الدبر هاجس كما يبدو عند بعض جماعة اللغة والتفسير.

ولا يبدو أن الناس كانوا يعرفون سبب الحيض، بل أن بعض جماعة الكلام ردت النسيان إلى الحيض بالقول إن المعنيَ بالآية «وكنت نسياً منسياً» (عن مريم) «خِرق الحيض» (لسان العرب، نسا).

أما ابن جبير فقال في شرح (وَلِيَدخُلُوا المَسجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوا تَتبِيرًا – الاسراء 7): «دخلوه فتبروه وخرّبوه وألقوا فيه ما استطاعوا من العذرة والحيض والجيف والقذر»، فهذا رأي عبّر عنه صاحبه في الحيض فصنّفه ثانياً بعد الخرء، وثالثاً قبل جيف الموتى والأقذار.

وفي القرآن الكريم: «فَلَن أُكَلِّمَ اليَومَ إِنسِيًّا» (مريم 26). ولم تجد الجماعة عناء في تفسير «إنسيا»، فقالوا: «أحداً من بني آدم». إلا ان لفظة «آدم»، تعني رد البشر إلى رجل من أهل الزمان البعيد. وبما أن الأديان حديثة العهد بالانسان، نسبياً، فلا بد أن الأوَل ابتكروا لفظة للدلالة على الانسان.

اللفظة الأخيرة (انسان) من الثنائي «سن»، ولا تعني أكثر من معناها الأساسي، أي السن الذي في الفم. ولا يفترق الانسان عن الحيوان في وجود الاسنان، لذا يبدو أن الثنائي اتصل بعمر الانسان أول الأمر لأنه لاحظ ان تقدم العمر عند الصغار يواكب نمو الاسنان في الفم.

ويبدو لتأصيل الكلام أن سن قرينة، أصلها الثنائي نس، معناها الأصلي، أي عندما ابتكرها الانسان، ملحوظ في تعبير المحكيّات «نسل الشعرة من العجين»، فالنسل هنا يتضمن عمل إخرج شيء من شيء. والأولاد «نسل» لأنهم يُنسلون من أمهاتهم، أي يخرجون من منبع الحياة الذي هو الفرج، لا الدبر. إلا أنه من المفيد التفكّر قليلاً في معنى «نسل الشعرة من العجين»، ذلك أن عمل نسل شيء مثل الشعرة من العجين يتطلب التأنى والدقة، فهو ليس الشد والنتع والاخراج بالقوة، وإنما التلطّف بالشيء ومراعاته.

وهذا مهم لأن الأولاد هم المستقبل، فإذا تأذوا، تأذى المستقبل بتأذيهم. ولا تزال الولادة من أكبر الأخطار على الامهات، إلا أن الولادة في الماضي كانت خطراً كبيراً، لا ينتهي بالولادة، فكل مرحلة من مراحل نمو الطفل محفوفة بالأخطار الطبيعية الكثيرة، وكان نصف الأطفال يموتون إما قبل الولادة، أو في حينها، أو بعد وقت فصير، فهذا حال الانسان في الزمان القديم عندما كان العمر الوسطي للبشر نحو عشر سنوات لا غير.

إذاً، ما هو الأذى؟

الذال ليست من حروف العربية الأصيلة ردها تأصيل الكلام إلى حالتين:
1- القلب من الزال،
2- تنقيط الدال برفع نقطة في غير مكانها إما لسهو المنقط أو لجهل.

الجهل اللغوي بالعربية يبدو الحالة الأقرب لأن القرآن يعرف من هو أد ووردت الكلمة “إدا” في مريم 89: شيئا إدّا : منكرا فظيعا.

في ترجمة أدا: «حكى اللحياني عن الكسائي أَن العرب تقول أَخَذَ هَداته أي أَداته على البدل، وأَخَذَ للدهر أَداتَه من العُدَّة وقد تَآدى القومُ تَآدِياً إذا أَخذوا العدَّة التي تُقَوِّيهم على الدهر وغيره” (لسان العرب، أدا).

في سورة البقرة 184: “أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ “.

إذاُ، لا يبدو أن الآية تتحدث عن الحيض بمعنى القذارة والنجاسة وإنما عن حالة طبيعية تقتضي أياماً إلى أن تنقضي فوجب على الرجال اعتزال المرأة خلالها. وهذا منطقي لأن كلمة حيض من أصل ثنائي منه حوض، ولا تعني شيئاً أكثر من سائل طبيعي مثل الماء.

أما الأذى فهو من أز وله تخليد في الآكادية بمعنى شبح وكلب وسحلاة:

azû (1): [Moral life → Feelings] ghost, dog, lizard: to sigh, to gasp.