مفسرون: «إذا الشّمسُ كُوّرت»: «رُمي بها»؟

0
621
الصورة: الشمس، وكالة الفضاء الأوروبية

الطبري: «اختلف أهل التأويل في قوله: «إذا الشّمسُ كُوّرت» (التكوير 1)، فقال ربيع ابن خثيم: «إذا الشّمسُ كُوّرت»: «رُمي بها». ابن عباس: «أظلمت.» مجاهد: «اضمحلت وذهبت.» قتادة: «ذهب ضوءها فلا ضوء لها.» سعيد: «غوّرت، وهي بالفارسية، كور تكور.» الطبري مُلخّصاً ومعلّقاً: «الصواب من القول في ذلك عندنا: أن يقال كُوّرت، كما قال الله جل ثناؤه، والتكوير في كلام العرب: جمع بعض الشيء إلى بعض، وذلك كتكوير العمامة، وهو لفها على الرأس، وكتكوير الكارة، وهي جمع الثياب بعضها إلى بعض، ولفها، وكذلك قوله: (إذا الشّمسُ كُوّرت) إنما معناه: جمع بعضها إلى بعض، ثم لفت فرُمي بها، وإذا فعل ذلك بها ذهب ضوءها، فعلى التأويل الذي تأوّلناه وبيّناه لكلا القولين اللّذين ذكرتُ عن أهل التأويل وجه صحيح، وذلك أنها إذا كُوّرت ورُمي بها، ذهب ضوءها.»

ويجد تأصيل الكلام حيرة في تفسير سبب اضطراب تفسير الجماعة، والطبري معها، لكلمة على ألسنة الناس في لفظات عدة منها: «تقوير» و«قوّاره» و«تجوير» و«تغوير»، وأصلها الثنائي في «كوكب» و«جو» و«جورب»، لكن ليس في «تكوير»، فهذه من أصل ثنائي مختلف *كر فيما الأصل الثنائي للفظة القرآن *كو.

وسبب غموض اللفظة على جماعة التفسير، باستثناء من يعرف الفارسية، أن أصل اللفظة بالجيم المثلثة، فهي من كلام اليمن فهو حرفهم إلى اليوم. ويعرف الشوام معنى كوّرت لكن بالجيم، فيقولون «حفرت الجورة»، فما يُحفر في هذه الحالة «يُجوّر». إذا قلبت، لُفظت الكلمة بالكاف «يكوّر»، وإذا كانت مجهولة الفاعل فاللفظة «كوّرت»، وإذا طُلب أصلها فهو «چُوّرت».

واقترب من صحيح الشرح من قال «غوّرت» ثم ابتعد عندما قال إنها لفظة فارسية: «كور تكور». والفارق أن «غوّرت» من غر غار، ومنه الغر والغريب والغرغرة، وهذه حكاية صوت، والانسان لا يحفر غاراً لأن الغار كهف كبير.

ومن الواضح أن المفسر اهتدى إلى معنى الكلمة القريب لأنه يعرف الفارسية، وهي في كلامهم، لكن المفسر لا يعرف أن الفرس أخذوا اللفظة من العاربة لا العرب من الفرس لأن أصلها أصل كلمة معروفة مثل الجورب، لأنه مجوّف مثل «الجورة»، فلا يُقال جراب لأن أصل هذه الكلمة أصل ثنائي مختلف هو *جر، لكن يمكن أن يُقال إن *جر و*كر أصلها واحد هو *چر. وإذ تفكّر ذو فطنة باللفظة فيُحسب أنه سيعرف سبب اتصال الكرة بالكر، أي الجبل وسفحه والصخور ضمناً، لأنها في الأصل كانت من حچر، أي «حجر».

وكانت جماعة التفسير أخرجت نفسها من عناء الاجتهاد لو انتبه بعضهم إلى كلمة لها في لسان العرب ترجمة، ليس لها المعنى القريب من كورت فحسب، بل المعنى نفسه تماماً لأن قافها مقلوبة أيضاً من الجيم المثلثة: «قار الشيء قوراً وقوّره: قطع من وسطه خرفاً مستديراً، وقوّر الجيب فعل به مثل ذلك.

وفي حديث الاستسقاء: فتقوّر السحابُ، أي تقطّع وتفرّق فرقاً مستديرة ومنه قُوارةُ القميص والجيب والبطّيخ». ولعل رجل القوم تذكر أن «القوّارة» في كلام المحكيّة هي «القجة»، أو ما يُودع فيها الاطفال قروشهم، فيكسرونها يوم العيد ويستخرجون ما خبأوه. إذاً، صار في الكلام ثلاث لفظات بحروف معروفة، أصلها حرف اقتصر لفظه في الزمان على أهل مصر واليمن، وبعض العرب، فهاكم خمس لفظات لها دلالة بيانية واحدة: بالجيم المثلثة چوّرت، وبالكاف كوّرت، وبالجيم جوّرت، وبالقاف قّورت، وبالغين غوّرت.

باحثون سألوا: كيف صار في كلام العرب مثل هذا التكرار الفظيع؟

ليُقل الآن إنه لو كان من بين المشتغلين بالتفسير يمني يتقن لغته جيداً لعرف معنى اللفظة فوراً، فهي من كلامه. وبما أن أبجدية اليمن الكتابية في عهد الاسلام لم تتضمن الجيم المثلثة، أحل أهل اليمن محلها الكاف، فهي الأقرب إلى الجيم المثلثة. هذه يقرأها المفسر من الشمال بالكاف، لكن اليمني سيقرأها بالجيم المثلثة لأن الحرف في أبجديته اللفظية.

وكان المفسرون أخرجوا نفسهم من جهد جهيد ما عليه من مزيد لو اشركوا امرأة شامية في التفسير فكانت ستقول لهم: لك شو ها الحكي؟ نحنا بنقول “بنقوّر الكوسا” يعني بنحفرها، وهيك بصير بالشمس فتصير مقورة ومحفورة.

ولا حول ولا قوة إلا بالله من هكذا مفسرين.