وَطِئَ الشيءَ يَطَؤُهُ وَطْأً داسَه، ووَطِئَ المرأَةَ يَطَؤُها نَكَحَها، وقد تَوَطَّأْتُه بِرجلي

76
1402

للأصل الثنائي الحرج *نس عدد من النسائل، منها نسأ، فيُقال: «نسئت المرأة: بدأ حملها»، ومنها نسل، ونسخ. لكن لهذا الأصل الثنائي سوابق مشهورة، منها حسن، والحسن ضد القبيح. ومنها أنس، فهو اسم الانسان (أنس)، ومنه معنى الأنس والاستئناس بالناس، والأنسي، أي الانساني مقارنة بالوحشي أو بمخلوقات عجائبية، مثل الجن وغيرهم. ومنها جنس، فاتصال النسل بالجنس واضح، يبدو.

وقيل في تفسير «فَأَجَآءهَا المَخَاضُ إِلَى جِذعِ النَّخلَةِ قَالَت يَالَيتَنِى مِتُّ قَبلَ هَذَا وَكُنتُ نَسيًا مَّنسِيًّا» (مريم 23): «قتادة: قوله (الآية): لا أعرف ولا يدرى من أنا»؛ «الربيع بن أنس (الآية)، قال: هو السقط»؛ «ابن زيد: لم أكن في الأرض شيئًا قط». أما جماعة لسان العرب فقالت: «نسأ: 1) نُسِئَتِ المرأَةُ تُنْسَأُ نَسْأً: تأَخَّر حَيْضُها عن وقتِه وبَدَأَ حَمْلُها؛ 2) حكى ابن دريد: مَدَّ له في الأَجَلِ: أَنْسَأَه فيه، قال ابن سيده: ولا أَدري كيف هذا».

لقد وضح معنى النسل في كلام المحكيّات إذ قيل “نسلت الشعرة من العجين”، أي اخرجتها فكذا المولود يخرج من الرحم. لذا فإن معنى التأخير الذي ساقه بعض جماعة الكلام غير مفهوم، فكيف يكون نسل الشيء تأخير له أو المد في أجله؟

وفي لسان العرب لفظة مشابهة نسا، في ترجمتها: 1) النِّسْوةُ والنُّسْوة والنِّسْوانُ والنُّسْوان جمع المرأَة؛ 2) النِّسا: عرق من الورك؛ 3) قوله عز وجل: نَسُوا الله فأَنْساهم أَنْفُسهم، قال إنما معناه أَنساهم أَن يعملوا لأَنفسهم.

إذاً، كثر الكلام وقل الشرح، ولا يعرف رجل القوم ما هي علاقة النساء بعرق النسا والنسيان. ثم يتضح أن بعض المفسرين لازم معنى التأخير في عدد من الأحاديث من جهة، وحاول بعضهم إزالة الفروق بين نسأ ونسا لتقديم لفظة غيرهما هي نشأ، قيل في ترجمتها:1) أنشأه الله: خلقه؛ 2) في التنزيل العزيز: وأنّ عليه النشأة الأخرى (النجم 47)، أي البعثة؛ 3) النشء: أحداث الناس.

هذه ايضاً ترجمة الملازمة، لأن نشأ ليست سوى نسأ، والولادة خلق، والانشاء إنساء وأَنْشَأَه أنسأه ونشأ نسأ وينشأ ينسأ ونشوءاً نسوءاً ونشأة نسأة ونشاءة نساءة والنشء النسء.

ويبدو أن نشأ ضحية أخرى من ضحايا بالمئات حملها تعجيم أهل البصرة إلى مهمل كلام النصوص. أما النشاء في المحكيُات فهي المادة التي تضاف إلى الحليب، وفي كلامهم النشنشة، بمعنى الانتعاش، والنشوق، وهي مادة تؤخذ بالأنف فيعطس الآخذ، وهي من الرائحة وانتشارها، أي أن أصلها من نشر فأمّها نش.

أما حال نسأ وخليقتها نشأ ومن كان وراءها فمعروض في ترجمة نسأ: «قولهم أَنْسَأْتُ سُرْبَتِي، أَي أَبْعَدْتُ مَذْهَبي. قال الشَّنْفَرى يصف خُرُوجَه وأَصحابه إِلى الغَزْو وأَنهم أبْعَدُوا المَذْهَب: غَدوْنَ مِن الوادي الذي بيْنَ مِشْعَلٍ وبَيْنَ الحَشا هيْهاتَ أَنْسَأَتُ سُربَتِي، ويروى أَنْشَأَتُ بالشين المعجمة».

ومعروف أن تعجيم القرآن اشتغال أهل البصرة أو السواد، لكن لا يعرف لماذا ثُلثت سين “النشأة الأخرى” (النجم 47)، فيما النسل هو ارسال المولود خارج الرحم والنسء الاطفال المرسلون من الرحم إلى العالم؟

ولعله من الواضح أن النِّسْوةُ والنُّسْوة والنِّسْوانُ والنُّسْوان والأنس والآنسة والآنسات كلها من *نس فمن أين جاءت “أنثى” و”إناث”؟

في تفسير الطبري: “حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج قال، حدثنا مبارك بن فضالة، عن الحسن: «إن يدعون من دونه إلا إناثًا»، قال: «الإناث»: «كل شيء ميت ليس فيه روح: خشبة يابسة أو حجر يابس». وقال آخرون: عنى بذلك أن المشركين كانوا يقولون: «الملائكة بنات الله. وقال آخرون: «الإناث» في هذا الموضع «الأوثان» (النساء 117).

وَقَرْنَ فِي بِيُوتِكُنَّ

قال الطبري: «اختلفت القرّاء في قراءة قوله (وَقَرْنَ فِي بِيُوتِكُنَّ – الأحزاب 33)، فقرأته عامة قراء المدينة وبعض الكوفيين «وَقَرْنَ»، بمعنى: «واقررن في بيوتكن»، وكأنّ من قرأ ذلك كذلك حذف الراء الأولى من اقررن، وهي مفتوحة، ثم نقلها إلى القاف. وقرأ عامة قراء الكوفة والبصرة «وَقِرْنَ»، بمعنى: كن أهل وقار وسكينة في بيوتكن.»

وبذلك أظهر الطبري ثانية تفوّق نظرته الاجتماعية إلى المرأة مقارنة بتخلف نظرة قراء المدينة وبعض الكوفيين، وتقويل الله جل اسمه وعلا ما لم يقله. وإذا كان الطبري وعامة قراء الكوفة والبصرة وظفوا المنطق العام وسياق منطق الآية فتوصلوا إلى أن المقصود باللفظة ليس بقاء النساء في بيوتهن بل التوقر واحترام أنفسهن، فليس بمعروف لماذا ظن قراء المدينة وقلة من قراء الكوفة أن المعني غير ما عنته الآية؟ إلا أن المسألة هنا ليست مجرد ضعف فهم القراء لكلام القرآن الكريم، فكثيرون ممن يضطهدون المرأة استخدموا هذه الآية للتلويح للمرأة بإذن ظني متقوّل لا قولي أن مكانها البيت لا تبرحه.

الباءة
في لسان العرب مكرر نكح المذكَرة أكثر من 140 مرة، في إحداها الآتي: «في الحديث: عليكم بالباءة، يعني النّكاحَ والتَّزْويج، ومنه الحديث الآخر: إِن امرأَة مات عنها زوجُها فمرّ بها رجل وقد تَزَيَّنَت للباءة، وبَوَّأَ الرجلُ: نَكَحَ» (بوأ).

من أين جاء المفسرون بهذا المعنى؟ إن أول لفظة في لسان العرب أبأ، ومعناها واضح تماماً: «قال الشيخ أَبو محمد بن بَرِّي: الأَبَاءة لأَِجَمَةِ القَصَبِ، والجمعُ أَباء». وبما أن القصب كانت المادة التي صنع منها أهل الزمان الأول بيوتهم، فمن الواضح أن المعني «بوأ» لا تعني النكاح، بل السكن أو المساكنة.

ويتبين أن مصدر الكلمة حديث منسوب للرسول صلى الله عليه وسلم: «مَن استطاع منكم الباءة فَليْتزوَّجْ ومَن لم يَسْتَطِعْ فعليهِ بالصَّومِ فإِنَّه له وجاء». وقيل في ترجمة بوأ: «1) الباء: النِّكاح؛ 2) ابن الأَعرابي: الباءُ والباءةُ والباهُ، كُلها مقولات؛ 3) ابن الأَنباري: الباءُ: النِّكاح، يقال: فُلان حريص على الباء والباءة والباهِ».

ولا حقيقة لكل ما ورد في هذه الترجمة، إلا أن جماعة الكلام اعتبرتها من كلام الحاجة، وكأن العربية تحتاج اللفطة المئة والاربعين وواحداً للنكاح، وها هي الكلمة المصنوعة من الجهل بالكلام في ترجمة: بوه: الباهُ والباهةُ: النكاح.

وطأ
في لسان العرب وطأ: وَطِئَ الشيءَ يَطَؤُهُ وَطْأً داسَه، ووَطِئَ المرأَةَ يَطَؤُها نَكَحَها. الجوهريُّ: وطِئْتُ الشيءَ بِرجْلي وَطْأً ووَطِئَ الرجُلُ امْرَأَتَه يَطَأُ فيهما سقَطَتِ الواوُ من يَطَأُ كما سَقَطَتْ من يَسَعُ لتَعَدِّيهما لأَن فَعِلَ يَفْعَلُ مما اعتلَّ فاؤُه لا يكون إِلا لازماً فلما جاءا من بين أَخَواتِهما مُتَعَدِّيَيْنِ خُولِفَ بهما نَظائرُهما وقد تَوَطَّأْتُه بِرجلي ولا تقل تَوَطَّيْتُه.

ولا حول ولا قوة إلا بالله من مفسرين شغلهم أمر النكاح فانشغلوا عن الاشتغال بالتفسير المفيد واشتغلوا بما امتلآ به رأسهم من شبق وكأن المرأة فرج لا غير توطىء ويُداس عليها كما الأرض الرخوة.