ليس في العالم أمة عريقة تفكر بلغة وتكتب بلغة غيرها سوى العرب

84
997
الصورة: هافينغتون بوست عربي
يواجه كثيرون من الناطقين بالعربية وضعاً لغوياً يختلف عن وضع الناطقين بمعظم اللغات الرئيسية في العالم يمكن تسميته بـ«الثنائية اللغوية» (diglossia) أساسه الاضطرار إلى النطق بلغتين لا واحدة: الأولى هي المحكيّة، والثانية الفصيحة، فيما تنطق مجموعة صغيرة نسبياً ما يُعرف بالـ«فصحى». ومعظم الناس يتخاطبون مع أنفسهم، ومع الناس العاديينمثلهم، بالمحكيّة، فهي اللغة التي يتقنها اللاوعي لا بالتقليد في مرحلة الطفولة التي تتأسس خلالها اللغة والوعي فحسب، بل بالتأسيس اللغوي التاريخي أيضاً، لأن للمحكيّات أصل سبق العربية الحديثة بألوف السنين، وأدّت الوظيفة المتوقعة منها في تحقيق تواصل المجتمعات بنجاح مُلفت.

وتختلف القدرة التعبيرية من شخص إلى آخر، سواء كانت واسطة الكلام الفصيحة أو المحكية. كما تختلف حالات التعبير، فربما فكّر البعض بالفصيحة، وأحياناً بالفصحى، ونطق بالصنف الذي يتقنه أكثر من غيره، وربما فكر البعض بالمحكيّة ثم ترجم كلامها إلى الفصيحة، أو ربما استدعت حالة ما جمع خيوط الفكرة بالمحكيّة قبل نقلها إلى الورق أو الكومبيوتر. ولا يترجم اثنان النص ذاته بالطريقة ذاتها، وكذا الترجمة من المحكيّة إلى الفصيحة، فيصيب الإنسان في حالة ويخطىء في أخرى ويشط في ثالثة، فيما يمكن، في حالات المقابلات العلنية، ملاحظة انتقال المتكلم من الفصيحة إلى المحكيّة في حالة تشبه ما يعرف في علوم اللغة باسم «التحوّل الرمزي» code switching)) فيزج المتكلم في كلام لغة معينة لفظات أو تعبيرات بلغة أخرى يعتقد اللاوعي أنها أقدر على نقل الفكرة المطلوب نقلها، أو أن استخدامها يحسّن صورة المستخدم أو يضعه في مركز اجتماعي أعلى من مستوى المخاطب.

ويتعامل العقل مع الكلام بصورة غاية في التعقيد، لكن النطق المسترسل لا يتحقق إلا عندما يتولى العقل الكامن التعامل مع الجزء الأكبر من الكلام، فيصبح الكلام في هذه الحالة مثل سياقة السيارات، لا يتقنها الانسان جيداً إلا بتراكم الخبرة والممارسة، حتى أن كثيرين يستطيعون قيادة السيارات وهم يفكّرون بأشياء أخرى لا علاقة لها بالقيادة.

ويبدو أن أحد أهم أسباب افتراق الكلام إلى فصيح ومحكي تطوير السوابق الثلاثية لأن إيقاعها اللفظي ثلاثي غاير الايقاع اللفظي الألفي الثنائي الذي قام عليه الكلام. ويُعنى بذلك أن معظم الكلام قبل السوابق الثلاثية كان الحركة، بالفتحة، والسكون. لكن السوابق الثلاثية جاءت بتتابع صوتي مختلف هو الحركة (الفتحة) والحركة (الفتحة) والسكون، مما أدى إلى اضطراب إيقاع أصوات الكلام.

واستوعبت المحكيّة الكثير من السوابق الثلاثية مثل: «وقع، دخل، قتل، خبز، بخل»، وغيرها، لكن بعض السوابق الثلاثية لم تكن مهمة للناس العاديين بعدما صار هذا المبنى من المباني التي فضّلها الكهنة والخطباء والشعراء، وهي كثيرة في كلام النصوص. وأمكن استيعاب السوابق الثلاثية المفيدة في كلام المحكيّات بعد اخضاعها للقواعد التي تحكم المحكيّات، فيما احتفظت المحكيّات عموماً بالايقاع الثنائي الذي لا يزال عماد كلامها إلى اليوم.

وفي الكلام سوابق ثلاثية لبعض أقدم الكلام، كما في السابقة الثلاثية «أكل ← كل»، لكن يُعتقد أن بعض هذه السوابق انتاج عصر لاحق، وابتكرها الناس لتوسيع نطاق معاني أصلها الثنائي، أو لاختصار أهم معاني الأصل الثنائي في كلمة متفرّدة. وهذا يعني أن قسماً من السوابق الثلاثية ربما سبق مبنى النسائل الذي طوّره الناس للتعبير عن الأشياء والحالات التي أنتجها العصر الزراعي. لذا يُعتقد أن افتراق الكلام إلى فصيح ومحكي ربما بدأ قبل أكثر من خمسة آلاف عام، أي نحو منتصف العصر الزراعي.

ويردد أهل المحكية عدداً معتبراً من كلام الضاد، لكنهم يتجاهلون عادة نطق حروف الثاء والذال والظاء التي ألحقها البعض بكلام العربية الحديثة. والقاف التي ينطقها بعض أهل المحكيّات همزة، والبعض الآخر بصوت قريب من الجيم اليمنية، أو كافاً. ويشكل بدل أربعة حروف نسبة مهمة من أبجدية تتألف من 28 حرفاً، لكن هذا ليس السبب الوحيد في استمرار ابتعاد المحكيّات عن الفصيحة، وابتعادها الأكبر عن الفصحى لأن النوعين الأخيرين من الكلام محكومان بمجموعة من القواعد المتغيرة التي تتطلب من الناطق بهما الاعراب المتزامن مع النطق، والاضطرار إلى استشارة العقل الواعي بصورة شبه دائمة أحياناً للربط بين أجزاء الكلام. وهذه، وغيرها، من النتائج الطبيعية التي يمكن توقّعها عندما تتحكم النصوص بالنطق، أو في الحالات التي ابتكر بعض أهل اللغة القواعد الحديثة باستقراء الكلام القديم، فهو عكسٌ للاتجاه الطبيعي للكلام الذي بدأ بالنطق قبل أن يُضبط بالقواعد المستمدة من المنطوق لا من المكتوب.

ولكل اللغات الرئيسية قواعدها المعروفة، لكن دراسات اللغة انتقلت منذ فترة طويلة من التركيز على المكتوب إلى التركيز على المنطوق، فهو أصل الكلام في الماضي وسيكون أصل الكلام في المستقبل. ولو احتكم أهل اللغة إلى المنطوق لا إلى المكتوب، أو تعاملوا مع المحكيّات بالجدّية التي تستحقها كواحدة من أقدم ما استمر من لفظ الخلق، لما وصل الافتراق بين المحكيّات والفصحى إلى وضعه الحالي، ولما اضطر معظم الناس إلى توظيف جزء كبير من قدرات العقل الكلامية لترجمة المحكي إلى الفصيحة بدلاً من توظيف القدرات تلك لتحسين التعبير.

ويختلف الباحثون في تقييم فائدة بعض قواعد العربية، إلا أن الاتفاق أشمل في الاستنتاج أن استيعاب الناطق كل القواعد التي وضعها أهل اللغة قبل أكثر من ألف عام، إن كان ممكناً، لا يضمن تحويله إلى متكلم «فصيح». ولا يتوقع بعض الباحثين أن ينطق كل أهل العربية بالفصحى لأن الكلام اصطلاح الناس على النطق به وحاجتهم إليه، ولا يبدو أن أهل المحكيّة يحتاجون النطق بالفصحى أو الفصيحة لضمان التواصل، ولا يجد الباحث في كلامهم تعابير مثل«ضاق ذرعاً» و«استشاط غضباً» و«لا ناقة له ولا بعير» و«أدلى بدلوه في الأمر» و«صار كالقابض على الجمر»، وغيرها.

وربما قيل إن العكس ليس واقعيّاً، أي أن الناطق بالفصحى أو الفصيحة لا يستطيع الاستغناء عن المحكيّة في البيت والشارع والسوق والمقهى، وربما لن يبدو كلامه الفصيح مناسباً لسرد تفاصيل مشاهدة ما أو نكتة ما، وقليلون هم الأزواج الذين يستخدمون الفصحى في مخاطبة زوجاتهم أو أبنائهم، وربما بدا بعض هذا النوع من الكلام صنعة في غير محلها. لذا، لا يوجد، حقيقة، سبب مقنع لحمل أهل المحكيّات على النطق بالفصحى، ولا توجد وسيلة حقيقية تضمن الاصطلاح.

وعليه نتوقع تسارع ابتعاد البعض عن الفصيحة لأسباب عدّة منها شيوع استخدام وسائط الانترنت الاجتماعية، وربما نشوء حالة لغوية ثلاثية تتضمن استخدام المحكيّات وبعض أشكال الفصيحة ولفظات أو تعبيرات انكليزية وفرنسية. لا يوجد حتى مجرد الاعتراف بوجود حالة لغوية حقيقية تستوجب معالجة سريعة .إذا استمر هذا التجاهل فإن مصير الفصحى ربما لن يختلف كثيراً عن مصير اللاتينية.