0
748
الفصيلة اللغوية *أح/*حأ ومن مخرجاتها الشهيرة كلمات مثل الروح وحواء

القرآن الكريم، لا الشعر وغيره من المتاح اللغوي للدراسة، أهم الأوعية اللغوية المحتوية على كلام عاربة اليمن في المطلق، وبالتالي على كلام أهل الزمان الأول في عصر الحجر

من الناس من يعتقد أن كلام النصوص، خصوصاً القرآن الكريم، والحديث، كلام الأصل الذي لا ضرورة لتحديد أصل سبقه. ومن الناس أيضاً من يعتقد أن القول الشائع «الاسلام يهدم ما قبله» لا يشمل الكلام، لأن القرآن نزل بالعربية لكنه لم يُنزل العربية، فهي لسان الناس قبل الاسلام، ولسان العاربة قبل أن ترثه العربية، ولسان أهل الزمان الأول قبل العاربة.

والصلة اللغوية مثبتة لاحتواء نصوص القرآن على كل المباني اللغوية الأصليّة التي تحكم كلام العاربة. وربما قيل إنه يكفي العربية فخراً أنها لغة القرآن الكريم. وهذا مفهوم ولا يتعارض مع تأصيل الكلام، إلا أن العربية في الوقت نفسه بنت لسان أعظم امبراطوريات العالم القديم، فهي اللغة الأشهر في التاريخ، ولغة عدد كبير من الأمم التي لا تزال تنطق بها اليوم، مجموع ألسنتها نحو 70 لساناً يمثل كلام العرب العاربة فيها نسباً مختلفة، لكنها كافية لوصف تلك الألسن بأنها تنحدر من أم واحدة أهم بناتها العاربة، فيما العربية (عربيت) قبل الاسلام، والعربية الحديثة أهم بنات العاربة.

وتأصيل كلام العاربة، وبالتالي الكثير من كلام العربية، مهم في ذاته، لكن الغاية النهائية ليست لغوية فحسب، فكل من على الأرض اليوم أبناء أم واحدة وأب واحد. وإن لم يكن العرب جميعاً نسل أهل الزمان الأول والعرب العاربة، فهم نسل الأم الأولى والأب الأول. ومن يقيم في مواطن العرب اليوم يقيم في مواطن العرب قبل ألف سنة، ومواطن العرب العاربة قبل آلاف السنين. وأصل معظم الخلق مهاجرون من شرق افريقيا إلى جزيرة العرب، ففتيات العرب العاربة جدّات معظم العرب اليوم، وفتيات أهل الزمان الأول معظم جدّات العرب العاربة، وهذا كلامهن على ألسنة أمهات العرب وبناتهم لا يزال يحفظ معظم إيقاع لفظهن الثنائي، وهذا كلام أهل الزمان الأول والعرب العاربة في الكتب التي يقرأها العرب. وبين الناطقين بالعربية وبين أهل الزمان الأول والعاربة حبل سرة لغوي ربما ضاق شيئاً ما في بعض مراحل تاريخه الطويل، لكنه لم ينقطع لأن النوى والمقاطع أصل كلام أهل الزمان الأول وهي أصل كلام الاشتقاق.

إن الهدف الأساسي من تأصيل الكلام كشف ارتباط حديثه بقديمه، واستدراك افتقاد لغة مهمة مثل العربية قاموساً لأصول اللفظ. إلا أن تحليل الكلام أزال غبار الزمن عن خصائص لغوية فريدة يتمثّل أهمها بوجود الوحدات والفصائل اللغوية والحالات البيانية التي يمكن أن يقدّم تحليلها الصحيح فرصة فريدة تمكّن الباحثين من توظيف دلالات أصول الكلام لإزاحة أكبر ستارة حجبت الكثير من جوانب حياة أهل الزمان الأول. وتتضمن هذه الجوانب علاقة المرأة بالرجل، والجار بجاره، والأسرة بالأسر الأخرى، وعلاقة الكل بالبيئة التي عاشوا فيها، وبالطبيعة التي كانت معلمهم الأكبر، ثم الكثير مما يمكن أن يقدم للباحثين صورة مناسبة عن المجتمعات البشرية الأولى، وتحديد أصول كلام الطعام والكساء والوعي والخوف والأمل، وغيرها من الحالات والمفاهيم اللاحقة، ومنها مفاهيم الخلق والاجتماع، ثم مراحل صنع الحضارة وابتكار أدواتها.

وأمكن حتى الآن تحديد نحو 200 فصيلة لغوية أساسية ضمّنها أهل الزمان الأول والعرب العاربة لفظات بعض أهم الحالات التي عرفوها في تاريخهم الألفي. لذا فإن الحالات البيانية للكثير من هذه الفصائل يمكن أن تشكّل سجلاً لطبيعة الحالات وخصائصها وتأثيراتها. ومن هذه الفصائل الفصيلة ✥أح/حأ التي تصوّر حالة الجفاف والعطش، و✥جع/عج، المعنيّة بالمجاعات، و✥خف/فخ المعنية بالثعابين، و✥حص/صح المختصة بالحساب، و✥زو/وز المعنية بالأوزان والزوايا، و✥أر/رأ و✥كن/نك المعنيتان بالجنس والعلاقة بين الرجل والمرأة، و✥صن/نص، و✥رص/صر المعنيتان بالصناعة والعمارة، وفصائل أخرى في الدين والاجتماع والموت والخوف وحالات طبيعية وإنسانية واجتماعية تشكل في مجموعها تاريخاً لغوياً دلاليّاً لأهم الأحداث التي عرفها أهل الزمان الأول، ثم العاربة. ويمكن اعتبار تأصيل الكلام أداة مهمة لجمع معالم صورة أكثر واقعية لحياة البشر الأولى ترفد نتائج أعمال التنقيب ودراسات علوم البيئة والانسان والبصمة الوراثيّة.

ويرى بعض الباحثين أن وضع مثل هذه الدراسات اللغوية التأصيلية يتسم بأهمية خاصة ليس لأهل جزيرة العرب أو العرب، أياً كانت مواطنهم اليوم فحسب، بل للإنسانية أيضاً، لأن تحليل البصمة الوراثية يُظهر أن مهد الانسان الحديث مناطق في شرق افريقيا، وكانت بوابة المهاجرين الأوائل سيناء إلى فلسطين، أو جنوب البحر الأحمر إلى جزيرة العرب، ومنها الاتجاه شرقاً إلى هند اليوم واندونيسيا واستراليا، أو شمالاً عبر سورية والعراق وإيران إلى أوروبا و آسيا، ومنها، ومن غيرها، إلى الاميركيتين.

ومن الواضح أن جزيرة العرب لم تكن مجرد بوابة عبور للمهاجرين الأوائل إلى باقي أنحاء العالم، فما اكتُشف حتى الآن، نتيجة التنقيب النمطي أو الكشف العارض، يكفي لإثبات استقرار مجموعات بشرية مهمة في مناطق كثيرة في جنوب الجزيرة، وتمكّن بعض المجموعات تلك من تحقيق التطوّر الواضح في العمارة والسدود وغيرها من مظاهر الحضارة وسماتها. ومن المنطقي الافتراض أن الكثير من انجازات أهل جزيرة العرب بادت لطول الزمان، أو لضعف مواد بنائها، أو لا تزال دفينة التراب تنتظر من يكشفها. إلا أن الكثير مما باد من الأجسام العضوية لا يزال حيّاً في الكلام، لذا يمكن تحليل المناسب منه تحليلاً دقيقاً لاستكمال جوانب مهمة من صورة الحياة والحضارة في جزيرة العرب. ومن الشائع القول إن الكلام المؤصّل هو التاريخ الحقيقي، ويبدو من نتائج تأصيل العاربة والعربية، حتى الآن، أن لهذا القول ما يسوّغه.