أصول العرب ومفاهيمهم الدينية

0
1879
شماش الإله الشمش

غياب أصول الأديان من التوراة أو من مؤلفات تاريخ الأديان لا يعني أن الأديان بلا أصول حقيقية، أو أن التوراة أقدم الأصول. أور والقدس ومكة ونابلس والطائف مراكز دينية مهمة في تاريخ أديان المأسسة الذي يبدأ في جزيرة العرب بقومي *أد وعد. إنَّ فهم طبيعية العلاقة بين هذين القومين مفتاح فهم الاختلاف الجوهري اللاحق في المفاهيم الدينية بين قومي عد و*أد، وكذا فهم أسباب صدامهما التاريخي المُستقرأ في عدد من الفصائل اللغوية.

التطوّر الاجتماعي للقومين واحد تقريباً، لأنه تطوّر أصل معظمه طبيعي، لكن التكوين النفساني للقومين مختلف لأسباب أهمها اثنان: الأول أن البيئة التي عاش فيها قوم *أد كانت بيئة «رحيمة» مقارنة ببيئة الرعب الشديد التي عرفوها في موطنهم الأول، فيما كانت بيئة قوم عد بيئة وحشيّة قاسيّة، فساهمت البيئة الأولى في استيلاد المصالحة بين البيئة والانسان الذي سكنها، وبالتالي المصالحة بين البيئة والبيئة الكونيّة الأكبر في عصر لاحق. بيئة قوم عد صنعت نفوراً طبيعياً بين الانسان والبيئة لوحشيتها، واضطرتهم إلى اعتماد سياسة المواجهة البترية في التعامل مع الأخطار البيئية ثم مع الأخطار جميعاً أياً كان مصدرها. السبب الثاني امتداد جزئي من السبب الأول، لأنّ البيئة لعبت دوراً مهماً في بناء التكوين النفساني لزعماء قوم *أد مقارنة بزعماء قوم عد، ثم في تكوين موقفهم من عد.

الوحدة الاجتماعية الأهم في قوم *أد هي الرَبْع. الوحدة الاجتماعية الأهم في قوم عد هي القبيل. ربع نسيلة *رب، فانتماء الربع انتماء إلى *رب الربع، أي إلى شيخ الربع. الربوبية (ربب) من *رب لكن زعيم قبيلة *أد لم يكن رباً دينياً، وإنما كان «المُربي»، لأن الثلاثية «ربا» من الأصل الثنائي نفسه *رب، والتربية من معاني ربا. شرعيّة زعيم ربع *أد شرعية امتلاك الأرض التي يعيش عليها القوم. هذا واضح تماماً في الكلام لأنّ *رب قرينة أصل ثنائي أقدم هو *بر، أي البرية. الاحتمال هنا هو أن قوم *أد انتموا في الأصل إلى *أد الأول وزوجته، أي أنهم نسل *أد طبيعياً، مما قد يفسّر سبب صلابة ولاء قوم *أد لزعيمهم الأول، وتمكّنهم من رد الاعتبار إلى مؤسس قبائلهم وإعلاء المفاهيم الدينية التي أخرجها بعد ألوف السنين من الجهد والاصرار.

اسم «قبيلة» من النسيلة «قبل» وأصلها الثنائي *قب، وهي تعني رئيس القوم. القبيلة أكبر من الربع، فلعل السبب أنّ قوم عد كانوا أكثر عدداً من قوم *أد يوم عبروا جنوب البحر الأحمر إلى موطنهم الجديد. خصائص القب (الزعيم) في الكلام واضحة. «القابل والمقبل خلاف الدابر والمدبر». هو، إذاً، قائد عسكري مقدام لا يهاب الموت، إضافة إلى زعامته القبلية. من معاني قبل «التقبيل». ربما كانت قُبلة من الأصل الثنائي *بل، لأن في التقبيل شيء من ابتلال الشفتين. إذا كانت في الوقت نفسه نسيلة *قب فربما عنى ذلك أن تقبيل القب أو تقبيل يديه كانت عادة من عادات قوم عد. في ترجمة قبل: «القبيلة: صخرة تكون على رأس البئر»، هذا سحب لغوي لاحق أصله اعتبار القب رأس القوم لا ينازعه على منصبه أحد.

إذاً، ربما اتضحت بعض الفروق الأساسية في الهيكل الاجتماعي لكل من قومي *أد وعد. زعيم قوم *أد هو ربهم بمعنى ربيبهم الذي ربّاهم. شرعيّته شرعيّة التأسيس البشري والمكاني لكنَّ أبوّته الأولى لجميع القوم شرعيّة لا شرعيّة بعدها. هي كتلة شديدة التلاحم، كتلة قوم *أد. كتلة قوم عد شديدة التلاحم هي الأخرى لكن عناصر تلاحمها مختلفة. رأسها زعيم قبلي عسكري ذو قبضة حديد لكنّها ليست قبضة الزعيم المستبد بل قبضة الحزم التي تستمد شرعيتها الأساسية لا من موافقة أفراد القبيل بل من موافقة شيوخ القبيل في مبدأ قبلي عريق هو الشورى. هو أيضاً مبدأ مقبول في ممارسة الحكم.

قوم *أد أسرة واحدة، قوم عد دولة. اليمن، إذاً، أقدم دولة في التاريخ، إلا أنها دولة ضراوة جعلت اليمن أول دولة حربيّة في التاريخ. في نقوش آشور (من شور، أي الشورى) عدد من الجنود يسلخون جلد رجل حيّاً. في نقش آخر يقف شُركن (سرجون) فوق جثث القتلى بعد معركة ظافرة. في معركة ربما وقعت قبل 4500 سنة، قاد حسان بن أسعد جيش اليمن إلى اليمامة، وبدأ مذبحة مروعة لم تنته إلا بعدما قتل رجال جديس جميعاً وسبى أولادهم ونساءهم.

جديس قبيلة من أنبل قبائل البشر وأعظمها تأثيراً في تاريخ الحضارات. أصلها من قوم عد قادها شيخها چد مع جماعة من قوم السم (صار اسمهم في ما بعد طسم وفُتحت باسمها سورتا الشعراء والقصص) واستوطنوا منطقة شاسعة في جزيرة العرب عُرفت لاحقاً باسم نجد ونُسبت إلى *چد فصارت اللفظة سابقته الثلاثية.

في منطقة من نجد، ربما كانت مدينة *چو أو چو اليمامة، طوّر عباقرة من القبيلتين طرق استئناس طير الحبش، ثم طرق استئناس بعض الأعشاب البريّة مثل الُدخن أولاً ثم نوع من القمح البري وأخرجوا للبشرية العصر الزراعي. في زمن لاحق اجتمع عدد من أفراد قبيلتي طسم وجديس ووضعوا أبجدية يستخدمها معظم البشر اليوم معروفة باسم رباعيتها الأولى «أبجد».

الأبجدية هذه، أيضاً، أبجدية مُعدّلة لما يعرف باسم الأبجدية الكنعانية أو الفينيقية.

ما هي الفروق الأساسية بين قومي *أد و*عد؟

إن تحليل كلام العربية القديمة وبناتها سواء في جزيرة العرب (جرهم) أو بلاد ما بين النهرين (الآشورية والبابلية فيما “الآكادية” اسم اللغتين معاً) أو في أوروبا يكشف وجوداً مشتركاً لابناء وبنات القبيلتين في التكوين الاجتماعي وما ينسحب منه وعليه في شؤون شتى مثل العادات والكلام والبناء الجسدي.

ويمكن القول في عموم العموم إذا كانت طبيعية الشخص حربية فيها الرغبة في البناء والامتداد والسطوة فلعله من قوم *عد. إذا كان وديع الطبيعة يستذوق الشعر أو ينظمه، سمح النفس، بشرته تميل إلى البياض وجسمه إلى الارتفاع وبنات مجتمعه جميلات فربما كان من قوم أد. كل هذا في عموم العموم.

هل في الاعتبار عرب عاربة وعرب مستعربة؟

هذا تصنيف متأخرين كثيرهم من أصول غير عربية اشتغل بعضهم وفق المألوف: اعطونا الاسلام وخذوا العروبة؛ اعطونا العربية وخذوا العرب. المستعربون الذين يمكن تحديد حالة تاريخية ثابتة لهم هم الكنعانيون الذين تخلوا عن لغتهم السومرية واشتغلوا بالعربية لأن لغتهم قامت على تكثير الكلام المستقل لا على كلام تكثير الاشتقاق من الأصول الثنائية.

دينياً ربما أمكن القول إن قبيلتي *أد و*عد كانوا يعبدون إل أو الله. ومن الواضح أن قوم *أد لم يعبدوا إلهاً غيره في تاريخهم وما الاسلام في أحد مكوناته التاريخية سوى عودة أكيدة لا رجعة عنها إلى عبادة إل فالنبي محمد من أحفاد الجد *أد أو آدم. أما قوم *عد فقد اختاروا الشمس دين الدولة كي تعكس في شكل أو آخر قوة دولتهم وجبروتها. بعل كان من آلهة قوم *عد وقوم السم (السومريين والكنعانيين) لكنه ليس إلهاً مستقلاً فاسمه تركيب ثلاثي من اسم إل أو الله قبلت همزته عيناً، أي ب + إل (عل).

مقال ذو صلة: 

عبادة الشمس عند العاربة والعرب