للخليل بن أحمد محاولة جدّية لاقناع الناس أن «ذكا» بالذال غير «زكا» بالزاي. بما أن لهذه اللفظة المؤذّلة مكانة في كتاب العين فربما كان هدف الخليل إفساح مكان لـ«ذكا» في كتلة كلام النصوص، ثم تركها تأخذ طريقها إلى كتلة المحكيّات من خلال إضافة مفهوم إلى معاني «ذكا» ليس من معاني «زكا» الأصليّة هو «الذكاء»، وتحويلها إلى لفظة شائعة.

المحكيّات كلام الحاجة، وليس فيها، عادة، لفظات لا يستخدمها الناس أو لا يعرفها معظم الناطقين بالمحكيّة، أو حروف ليست من الحروف الأصيلة، وفيها «الزكاة» بالزاي قبل الخليل وبعد الخليل، فاستُبقت هذه اللفظة الألفيّة العريقة. إذا قالوا: «فلان ذكي» قلبوا الذال إلى أصلها العريق فقالوا: «فلان زكي»، لذا، ربما كان وراء جهد الخليل سبب آخر.

ولوحظ في فصل سابق (findlink) أن لفظة عبب ebēbu مرادفة للفظة زكو zakû. الزكو هي الزكاة ومنه التزكيّة، أي التطهير. لفظة زكى نفسها من *زك وهي أحد أصلين ثنائيين في لفظة «نيزك». الطهارة الزكيّة طهارة السماء مرسلة بالنيازك وبما يسقط من السماء. هذا واضح في لفظة *طهر، فهي سابقة ثلاثية للثنائي *هر، أي ما «هر» من السماء على الأرض. *هر أصل ثنائي ديني بامتياز منه «هرم»، فأهرامات مصر متصلة بمن يهر بالأشياء من السماء، أي الله. قرينة *هر هي *ره، ومنها الرهبة والراهبة والرهبانيّة، لذا فإن ره⇆هر من الوحدات اللغوية الدينية بامتياز.

وقيل في ما ساقه ابن منظور من ترجمات الآخرين في ذكا: 1) ذكت النارُ: اشتدّ لهبُها واشتعلت، ونار ذكيّة على النّسب؛ 2) أذكاها وذكّاها: رفعها وألقى عليها ما تذكُو به؛ 3) الذُّكوة والذّكا: الجمرة المُلتهبة؛ 4) أذكيتُ الحرب إذا أوقدتها، على التشبيه، 5) الذّكاءُ: شدةُ وهج النار؛ 6) في التنزيل: «إلاّ ما ذكّيتُم» (بالذال)؛ ذبحُهُ على التّمام؛ 7) ذُكاءُ: اسمُ الشمس، معرفة لا ينصرف ولا تدخُلها الألفُ واللام، تقول: هذه ذُكاءُ طالعةً، وهي مُشتقّة من ذكت النارُ تذكُو، ويقال للصُّبح ابنُ ذكاء لأنه من ضوئها؛ 8) الذّكاءُ: سُرعة الفطنة؛ 9) الذّكاءُ والذّكاةُ: الذّبحُ؛ عن ثعلب؛ 10) ابن الأثير: التّذكيةُ: الذّبحُ والنّحرُ؛ يقال: ذكّيت الشّاة تذكية، والاسم الذّكاةُ، والمذبوحُ ذكيّ؛ 11) قوله تعالى: «وما أكل السّبُعُ إلاّ ما ذكّيتُم» (المائدة 3)، قال أبو إسحق: معناهُ إلاّما أدركتُم ذكاته من هذه التي وصفنا؛ 12) كلُّ ذبحٍ ذكاةً؛ 13) في حديث محمد بن علي: ذكاةُ الأرض يُبسُها؛ يريد طهارتها من النّجاسة، جعل يُبسها من النجاسة الرّطبة في التّطهير بمنزلة تذكية الشاة في الإحلال لأن الذبح (أي إخراج دمها) يطهّرها ويحلّل أكلها؛ 14) جدي ذكيّ: ذبيح؛ 15) الخليل: الذّكاءُ من قولك: قلب ذكيّ وصبيّ ذكيّ إذا كان سريع الفطنة، ويقال: ذكا يذكُو ذكاءً وذكُو فهو ذكيّ.

إذاً، من الواضح في ما أخذته الدراسة من أكثر من 800 كلمة في ترجمة ذكا، أن «التذكيّة» هي «الطهارة» فيتطابق هذا المفهوم في العربية مع مفهوم الآشوريين والبابليين لأن في لغتهم الآكادية اللفظة نفسها، لكنها عندهم بالزاي «زكو» لا بالذال «ذكو». الملفت أنها ترد في العربية أيضاً بالزاي، زكا: 1) ابن الأنباري: في قوله تعالى: «وحناناً من لدُنّا وزكاةً»؛ معناه وفعلنا ذلك رحمةً لأبويه وتزكيةً له؛ 2) الزّكاةُ: زكاةُ المال معروفة، وهو تطهيره، والفعل منه زكّى يُزكّي تزكيةً إذا أدّى عن ماله زكاته؛ 3) غيره: الزّكاة: ما أخرجته من مالك لتطهره به؛ 4) في حديث الباقر أنه قال: زكاةُ الأرض يُبسُها، يريد طهارتها من النجاسة كالبول وأشباهه بأن يجف ويذهب أثرُه (هذا كما حديث محمد بن علي باستثاء ذكر الدم).

الزكاة والذكاة
الزكاة والذكاة لفظة واحدة اتفقت في معظم المعاني واختلفت في اللفظ أو فُرض عليها الاختلاف فرضا. مع ذلك ربما وجد المُتعمّن في الترجمات فارقاً مهماً، غير سوق اللفظة بالذال والزاي، لأن ترجمة ذكا تُحدّد أن «ذُكاءُ: اسمُ الشمس، معرفة لا ينصرف ولا تدخُلها الألفُ واللام، تقول: هذه ذُكاءُ طالعةً»، فيما حُجب اتصال الشمس بالزكاة في ترجمة زكا، فليس لها في المطلب وجود. صحيح اللفظة في المحكيّة، بالزاي، ولها أصل يمني قديم في الآكادية، وهي ترد في القرآن بالذال والزاي.  وليس في الكلام الأصيل أصل ثنائي مثل «ذك»، فهو بالزاي لا غير *زك. (انظر 1).

والقول إن «ذكاء» معرفة لا ينصرف يعني أنها من أسماء العلم. لكن يُقال «الشمس»، مُعرّفة، فلماذا يجوز تعريف مرادفة لاسم الشمس إذا وردت بالذال «ذكاء»؟ الجواب لأن الألف واللام ليست حرف تعريف بل اسم الله نفسه *ال. بما أن ذكاء اتصلت بعبادة الشمس، فإن تسبيقها باسم الله خلطٌ لمعبودين مختلفين، فكأن القائل يقول: «الله الشمس». هذا الجمع الازدواجي في الآلهة شائع في بعض لغات العاربة وربما في «عب شمس»، لكن ليس مع «الله».

وهذا ما يراه تأصيل الكلام، لذا فهو لا يتفق ورأيُ من رأى أن ابتكار ذكاء بالذال محاولة من الخليل، أو الليث، للتستر على عرب كانوا يعبدون الشمس لأنّ عبادة الشمس ليست سرا، وعبدتها معروفون لانتسابهم إليها كما في عبد شمس. وأضاف الخليل معنى فريداً في شرح ذكا هو الفطنة: «صبيّ ذكيّ إذا كان سريع الفطنة»، فهذه ليست من معاني زكاة، لكنه ابتكار موفق اصطلح عليه الناس لحاجة.(2)   ومن الباحثين من زعم أن تضمين ذكا المعاجم ربما رمى إلى ملازمة اللفظة في القرآن حيث ترد لفظة «الزكاة» 28 مرة، فيما يرد اشتقاق من ذكا/ذكو في سورة واحدة هي المائدة 3. (3)  وهذا احتمال ربما أثار احتمالات مشابهة في حروف أخرى. مثلاً، ترد نكس بالسين في الآيات: البقرة 259، الأنبياء 65، يس 68، لكنها بالثاء (نكث) في: الأعراف 135، التوبة 12 و13، الزخرف 50 والفتح 10، وهي في الآكادية بالسين لا غير، «نكّاس»، وهي عندهم من الكلام الحرج. (4) ويمكن بالسهو أن يُعجّم حرف الدال لأن الفرق بسيط في هيئة المخطوطات المهملة بين الدال والزاي، لكن الفرق بين السين في «نكس» وبين الثاء في «نكث» كبير؛ هذا مهمل والجديد منقوط بثلاث. (5) ويمكن وقوع المُعجّم في لبس بين «نطر» وبين «نظر» (أصلها بالطاء)، لكن الفارق بين «ظلام» (أصلها بالصاد) و«صلام» كبير.

(1)
الملاحظ في تفسير آيتين في الأولى لفظة «ذكّيتُم» بالذال، والثانية لفظة «أزكى» بالزاي، أن المفسرين يشرحون حالة الزكاة بالذال، فإذا انتقلوا إلى تفسير الآية الثانية صار كلام الحالة بالزاي. هنا الشرحان باختصار في ذكا أولاً: «حُرّمت عليكُمُ الميتةُ والدّمُ ولحمُ الخنزير وما أُهلّ لغير الله به والمُنخنقةُ والموقُوذةُ والمُتردّيةُ والنّطيحةُ وما أكل السّبُعُ إلاّ ما ذكّيتُم وما ذُبح علىٰ النُّصُب» (المائدة 3): «اختلف أهل التأويل فيما استثنى الله بقوله (إلا ما ذكّيتم). عن ابن عباس: يقول: ما أدركت ذكاته من هذا كله، يتحرّك له ذنب، أو تطرف له عين، فاذبح واذكر اسم الله عليه، فهو حلال. قال الحسن: أيّ هذا أدركت ذكاته فذكّه وكُل. فقلت: يا أبا سعيد، كيف أعرف؟ قال: إذا طرفت بعينها، أو ضربت بذنبها. عن الحارث، عن علي قال: إذا أدركت ذكاة الموقوذة والمتردية والنطيحة، وهي تحرك يدًا أو رجلا فكلها» (الطبري، باختصار الرواة).
في زكا: «ابعثُوا أحدكُم بورقكُم هذه إلى المدينة فلينظُر أيُّها أزكى طعامًا فليأتكُم برزقٍ مّنه»ُ (الكهف 19): الطبري: أما قوله (فلينظُر أيُّها أزكى طعامًا) فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله، فقال عكرمة: أكثر. وقال آخرون: بل معناه: أيها أحلّ طعاما. وأولى الأقوال عندي (أي عند الطبري) إن الحلال الجيد، وإن قل، أكثر من الحرام الخبيث وإن كثر. وقيل: (فلينظُر أيُّها  (فأضيف إلى كناية المدينة، والمراد بها أهلها، لأن تأويل الكلام: فلينظر أيّ أهلها أزكى طعاما لمعرفة السامع بالمراد من الكلام، وقد يُحتمل أن يكونوا عنوا بقوله: (أيُّها أزكى طعامًا): أيها أحلّ، من أجل أنهم كانوا فارقوا قومهم وهم أهل أوثان، فلم يستجيزوا أكل ذبيحتهم.»

(2)
اعتبر الأزهري ذمّ الليث على مناكير لغوية كشفها في كتاب العين أهوّن من ذمّ وصحح في حالات، وخطّأ نفسه في حالات أقل أصاب فيها الخليل/الليث. إنما الآتي اتهام من الأزهري ربما اعتبره البعض خطيراً: «قال الليث (أي اصحاب العين) في هذا الباب: الخصب حية بيضاء تكون في الجبل. قلت: وهذا أيضاً تصحيف والصواب: الحضب، بالحاء والضاد… قلت: وهذه الحروف وما شاكلها أراها منقولة من صحف سقيمة إلى كتاب الليث (أي العين) وزيدت فيه، ومن نقلها لم يعرف العربية فصحّف وغيّر فأكثر» (تهذيب اللغة: حصب).

وكلام الأزهري دفاع عن ابن عباس الذي نظر لفظة «حصب» في القرآن فلم يعرف معناها فاقترح أن أصلها ربما كان «حطب»، ثم رأى أنها تصحيف في النص وأن صواب الصاد في اللفظة ضاد، أي «حضب» فأخطأ مرة ثم صحح فخرج التصحيح خطأ مثل سابقه.

 

 

(3)
ساق ابن منظور ترجمة زكا في ذكا، فيما ساقها الخليل ورهطه في العين في مطلب «ذكو» ومعها من الاسناد ما شاء، ومن العين تبع الآخرون: 1) الذّكيُّ من قولك: قلب ذكيّ، وصبي ذكيّ، إذا كان سريع الفطنة. ذكي يذكى ذكاء، وذكا يذكو ذكاءً. وأذكيتُ الحرب: أوقدتها. قال: إنا إذا مُذكي الحروب أرجا؛ 2) التّذكية في الصيد والذبح إذا ذكرت اسم الله وذبحته، ومنه قوله تعالى: «إلا ما ذكيتم»؛ ذُكاء: الشمس بعينها، قال: فتعاهدا ثقلاً رثيداً بعدمـا ألقت ذُكاءُ يمينها في كاف.» ثم عرض أصحاب العين تفسيرهم للذكاء في مطالب منها: بزع: «بزُع الغلام بزاعةً فهو بزيع، وجارية بزيعة، يوصفُ بالظّرافة والملاحة وذكاء القلب، لا يقال إلا للأحداث.» وفي معن: أمعن الفرسُ ونحوه إمعاناً، إذا تباعد يعدو. والماعون يفسّر بالذكاء والصّدقة.» وفي ظرف: «الظّرفُ وهو البراعةُ وذكاءُ القلب، لا يُوصفُ به السّيّد والشّيخ إلاّ الفتيانُ الأزوال، والفتياتُ الزّولاتُ.» وفي خمط: «الخمطة: ريحُ نور الكرم وما أشبههُ ممّا له ريح طيّبة وليست بالشديدة الذكاء طيبا.»(4)
نكّاس nikkassu: حسابات، عقار، ممتلكات، أموال، صناديق نقدية، كشف حسابات؛ ]نكّاس شاشا أوم [nikkassu šasā’um: طلب كشف حسابات؛ ]نكّاس شابات [nikkassu ṣabātu: موازنة الحسابات، تحقيق المعادلة المالية بلا ربح لا خسارة؛] رب نكّاسي [rab nikkassu: رئيس الحسابات، مدقق حسابات، مدير العقارات؛ ]بيت نكّاسيbīt nikkassu [: بيت الحسابات؛ ]أوم عپش نكّاسي [ūm epēš nikkassi:يوم الحساب، يوم القيام. ومن لفظات المقاربة: 1)  نكوس nukkusu: مزّق، قطع الشيء  قطعاً؛ نكوش nukuššu: مفصلة باب؛ نكورت nukurtu: عداوة، عداء، عمل عدواني، نزاع أو خلاف.

ولا تبدو اللفظة الأولى، نكّاس، من النواة *كس، بل ترحيل من نقص»، وهذا ملفت جداً لأن «نقص» من *قص وهذه النواة ترحيل من *چص، بالجيم المثلثة، فربما  كانت اللفظة بابلية. أما «نكوش» فتبدو من «نكش»، والأرجح أنها من *كش يُفهم المراد منها بنظر أصلهاالثنائي *شك، أي الشوكة، ربما على التشبيه بمسمار نحاسي، أو حديد إذا كانت اللفظة حديثة نسبياً، في المفصلة. نكورت حتماً من نكر، وهي نسيلة *نك، والانكار من شيمة العشاق في الاجتماع.

(5)
الذال والثاء حرفان لثويان، فمن نطق كلام الذال ربما نطق كلام الثاء. الثاء من حروف اليهود القديمة، وهو في أسمائهم وأسماء أنبيائهم مثل شيث، ناثان، شيثار، أدماثا، وغيرهم، ونظن أن الحرف كان مما نطقه الكنعانيون أو الفينيقيون كما عرفهم أهل اليونان.

 

European Space Agency

4 COMMENTS

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here