مسؤولية الخالق ومسؤولية الخلق

70
706
William Blake's God The HyperTexts

 

المولود يأتي إلى الدنيا بلا دين ولا لغة ولا تقاليد ولا عادات. لو أن الدين أساسي في الخلق لكان في الجينات جين ديني. لو كانت التقاليد أساسية في الخلق لولدَ الانسان وفيه التقاليد أو العادات. لو كانت اللغة أساسية خارج نطاق ضميمة البقاء لولدَ الانسان ناطقاً.

البعض يسأل: هل تحقق شيء اسمه الحضارة أم لم يتحقق؟ هل يوجد مفهوم إنساني شامل أم لا يوجد؟ هل هناك قناعة بأن خلاص الانسان بيد الانسان؟ إن كانت فليتحمّل كل إنسان مسؤولية المساهمة في الخلاص بدءاً بنفسه. إن كان الانسان لا يزال ينتظر من الله أن ينوء عنه بمسؤولية الخلاص، يقول البعض، فهذه ليست مهمة الله بل مسؤولية الناس لأن الناس يتلفون الأرض لا الله.

بعض الناس لا يخفي تشاؤمه، فيقول إن أهم برهان على إخفاق الأديان الأديان نفسها. كيف؟، يُسأل. بما أن الأساسيات واحدة، والمتشابهات متشابهات في العصر مختلفات في غيره من العصور، فلماذا يوجد أكثر من دين واحد؟ إذا كانت الأديان تعبد إلهاً واحداً فلماذا بين الناس أكثر من دين واحد يعبدون الرب نفسه؟ لعل الناس يعتقدون أنهم يتجادلون في الأديان لا في الثقافة. لعلهم يعتقدون أن مادة الجدل علمية لا اجتماعية. لعلهم يتحدثون عن عادات وتقاليد لا عن الأديان. لعل الأديان نفسها ثقافة واجتماع وتقاليد وعادات.

مفكرون يقولون إن المعروف الثابت الذي لا يحتاج إلى إقناع هو أن المولود يأتي إلى الدنيا بلا دين ولا لغة ولا تقاليد ولا عادات. لو أن الدين أساسي في الخلق لكان في الجينات جين ديني. لو كانت التقاليد أساسية في الخلق لولدَ الانسان وفيه التقاليد أو العادات. لو كانت اللغة أساسية خارج نطاق ضميمة البقاء لولدَ الانسان ناطقاً. الانسانية مبدأ طبيعي عند الانسان، اللاإنسانية سلوك يتعلّمه الطفل من مجتمعه. مفكرون يرون أن الأديان، إذاً، ليست الحبة السحرية التي يبتلعها المرء فيصبح إنساناً صالحاً. في أسوأ حالاتها، يقولون، الأديان مسؤولة عن مقتل عشرات الملايين وتأسيس أطول مؤسسة للتعذيب الانتظامي عمراً في التاريخ. في أحسن حالاتها، يزعمون، الأديان دواء له من المضاعفات الجانبية ما يقابل الداء.

مفكرون غيرهم يقولون لو أن الانسان لم يكن بحاجة إلى الأديان لما ابتكر الأديان. لو أنه لم يكن بحاجة إلى الله لما فتش عنه في السماء مئات السنين. بعض الناس، يقول هؤلاء، ليس عندهم إلا الدين. ليس عندهم مُنصف إلا الله، ليس عندهم معين غير الله، ليس عندهم أمل إلا بالله، ليس عندهم حول أو قوة أو عزم لأن باقي الخلق استضعفهم أكثر من عشرة آلاف سنة.

جماعة أخرى من المفكرين تقول إن كلمة «دين» كلمة جامعة لأن أصلها السومري جامع فهي اليوم جامعة. هي «مجلس» في الأصل يجمع آلهة السماء والأرض للنقاش في شؤون الأرض والسماء. هي من زمن كان فيه الملك رباً والرب ملكاً، وهو في الحالتين مالك كل شيء على أرضه، والناس من جملة ما ملك. في المملكة كهنة لكن الرب الذي هو الملك والمالك رب الناس فهو رب الكهنة. لما مات الملك أمات معه حرّاسه وحاشيته وزوجاته وأقرب الناس إليه فدفن الكهنة الملك ومن معه وصار كبير الكهنة الملك الجديد.

هي، إذاً، مشكلة الكهنة لا مشكلة الدين. مات الملوك وماتت من بعد بعض الملوك مؤسساتهم لكن مؤسسة الكهنة بقيت. من تقدمات الناس جمع الكهنة الغذاء الذي صاروا يوزّعونه على الناس في أيام الجوع. من أموال الصدقات والنذر والعطايا امتلأت خزائن الكهنة فصاروا يشترون المرتزقة ويسيرون الجيوش. من غنائم جيوش الكهنة تكدست الأموال التي أخرجت الجيوش الجديدة فالغنائم الجديدة فالجيوش الجديدة.

رب انتصار أسوأ من أسوأ الهزائم. لو أخفقت تجربة الكهانة السومرية فربما اختلف مسار الحضارة البشرية لأن الناس كانوا سيختارون نظاماً بديلا. التجربة نجحت فخرجت من الناس في الأمم الأخرى طبقات الكهنة التي قلّدت الكهنة الأوائل في سومر، وصار ملوك الأمم الأخرى مثل ملوك السومريين، وصاروا يأمرون بصنع تماثيلهم ووضعها في المعابد والساحات. ما كل تمثال في ساحات المدن السائرة تقليد لتماثيل سومر لكن الأصل واحد، يبدو.

لعله اتضح أن الأموريين أقاموا في بابل نظاماً اختلف عن الأنظمة قبل الأموريين لكنّ الأموريين كانوا يؤمنون بحرية الأديان فجعلوا لإل مكاناً متقدماً في المعابد لكنهم لم يحطموا باقي الآلهة. هم ابتكروا الكثير من اللفظات الدينية الجديدة لكنهم نقلوا إلى كلامهم الضمائم الدينية التي ابتكرها السومريون قبلهم. بعد سومر وبعد الأموريين تلاحقت العصور فانهارت أمبراطوريات وقامت أمبراطوريات وتغيرت المفاهيم والعادات واختلط التاريخ بالجغرافيا والناس بالناس ثم تفرقوا ولم يعد العالم العالم القديم نفسه إلا في مؤسسات الكهنة.

من تقدمات الناس بعد ثلاثة آلاف سنة، جمع الباباوات الغذاء الذي صاروا يوزّعونه على الناس في أيام الجوع. من أموال الصدقات والنذر والعطايا امتلأت خزائن الباباوات فصاروا يشترون المرتزقة ويسيرون الجيوش. من غنائم الجيوش وتسويق صكوك الغفران تكدّست الأموال التي أخرجت الجيوش الجديدة فالغنائم الجديدة فالجيوش الجديدة فالنفوذ الجديد فالدويلات البابوية فالقدرة على تنحية الاباطرة عن عروشهم وتنصيب من اختارهم رجل واحد في الفاتيكان اعتبر نفسه «ظل الله في الأرض».

«في حديث عطاء: أبشري أورى شلم براكب الحمار، يريد بيت الله المقدس. قال الأعشى: وقد طفت للمال آفاقه؛ عمان فحمص فأورى شلم. والمشهور: أورى شلم بالتشديد فخففه للضرورة، وهو اسم بيت المقدس، ورواه بعضهم بالسين المهملة وكسر اللام كأنه عربه. وقال: معناه بالعبرانية بيت السلام. وروي عن كعب (الأحبار) أن الجنة في السماء السابعة بميزان بيت المقدس والصخرة، ولو وقع حجر منها وقع على الصخرة، ولذلك دعيت أورشلم، ودعيت الجنة دار السلام» (لسان العرب، مطلب أور).

هذا الكلام ليس بشيء، فالاسم كنعاني أو أموري الأصل «اور سالم» شيّن اليهود سينها لعادة في لفظ بعض كلامهم. أما قول جماعة الكلام «رواه بعضهم بالسين المهملة وكسر اللام كأنه عربه» فعجيب لأن لفظة «الاسلام» من المصدر نفسه، وربما توهّم بعض الناس أن أصل «اسلام» عبراني.