مأسسة التجارة ومأسسة الأديان

3
132
تصور فنان لمدينة إرم ذات العماد

كشفت أعمال التنقيب في أور القريبة من مدينة الناصرية جنوب العراق وجود طبقات تاريخها نحو 6500 ق.م فهي أقدم بكثير من تاريخها المعروف كمدينة من نحو 3800 ق.م. إلى الشمال الغربي من أور، على نهر الفرات، نمت مدينة أخرى هي أُورُك (آكادي Uruk، سومريUNUG.KI) نحو سنة 4000 ق.م تحوّلت هي الأخرى نحو 2900 ق.م إلى ما يعتبره بعض المؤرخين أكبر مدينة في العالم القديم، قُدّر عدد سكانها بين 50-80 ألف مواطن. وبوجود هاتين المدينتين، وغيرهما عشر تقريباً، صارت مدن جنوب العراق من أهم مستوردي اللبان والمر والنحاس والأحجار الكريمة والصخور البازلتيّة الصالحة لنحت التماثيل من عُمان، وربما مكّة ومصر، فيما شملت الصادرات في الاتجاه المعاكس بعض المحاصيل الزراعيّة والأواني الفخارية وألواح الكتابة التي تُعتبر من بين أقدم المُكتشف في العالم.

وكان للتجارة طرقها البرية الكثيرة في اتجاهي الشرق إلى فارس أو پروماش[1] ومن بعدها وادي نهر الأندوس في السند، التي كان اسماً عاماً في الآكادية يعني شمال الهند أيضاً، ثم بعد ذلك، وفي عصر لاحق، إلى الصين. وكان اتجاه الغرب على طول وادي الفرات، أو عبر تدمر، إلى إبلة وأُغريت ومدن كنعان على الساحلين الشامي والفلسطيني. وكانت قوافل الجمال تنقل منتوجات عُمان من وبار (إرم) وغيرها إلى جنوب العراق، وربما إلى مچة (مكة)، ومن مكة إلى الشام ومصر.

ومع استمرار نمو التجارة ازدادت الحاجة إلى النقل البحري بوصفه أسهل وسائط النقل وأقلها تكلفة مقارنة بالنقل البري. وكانت الأنهار العظمى في بلاد الأديان، النيل والفرات ودجلة، محيط نمو الملاحة التجارية في الألف الثالثةق.م واكبها، أو سبقها، تطوير مراكب قادرة على الابحار في مياه الخليج، ثم في أعالي البحار، إلى جنوب باكستان وغرب الهند في مرحلة تاريخية لاحقة. وبرزت صُر (صور) عُمان أهم الأحواض الجافة في العالم القديم، فيما استُخدم ميناء سمهرم لشحن البضائع إلى مصر واستقبال السفن المصرية التي كانت تحمل مصنوعات مصر الكثيرة من القماش والزجاج والفخاريات، وغيرها.

ومع استمرار تحسّن صناعة السفن اتسعت شبكة الخطوط الملاحية فشملت جنوب جزيرة العرب والبحر الأحمر، وكان بعض البضائع يُنقل براً بعد ذلك من خليج العقبة في طريق شرقي إلى جنوب العراق، وطريق شمالي غربي إلى غزة. وإلى الاسكندرية، ومنها إلى مدن البحر الأبيض المتوسط، كانت البضائع تُنقل  وبعدها إلى الأسواق القديمة والجديدة، ثم تعود السفن في الاتجاه المعاكس بالبضائع. وكان الخط التجاري الآخر يبدأ من بلاد الرافدين وما وراءها، ثم يعبر الصحراء التدمرية إلى أوغريت، في شمال غربي سورية، وإلى صور على الساحل الشامي، الذي كان يُطل على ما يُعرف أيضاً بالبحر الكنعاني أو الفينيقي.

ومن صور عُمان أولاً، كما يبدو، أبحرت قوارب قوم السم الكبيرة المصنوعة من الخوص المجدول والألياف إلى سواحل البحرين القديمة والبحرين (دلمن/ديلمون) الجزيرة، ثم إلى جنوب العراق. ومن صور الجديدة على الساحل اللبناني في العصر الكنعاني، وأوغريت، بدأت السفن الكنعانية، التي كانت الأكبر في عصرها، نقل مصنوعات أكبر مراكز الانتاج في العالم القديم في كل من مصر وبلاد الرافدين، إلى الأسواق الجديدة المطلة على البحر الأبيض المتوسط.

وكانت العادة في تلك الفترة المبكّرة من التجارة الأوسطية الرسو في الموانىء الايطالية واليونانية المهمة بضعة أيام وبيع البضائع أو تبادلها، ثم الابحار ثانية إلى المرسى بعده. وعندما اتسع النشاط التجاري وجد الكنعانيون حاجة إلى بناء عدد من المراكز لخزن البضائع، أو استخدامها محطة للانتقال إلى المناجم الداخلية أو الغابات التي كان شجرها مناسباً لبناء السفن، كما في شبه جزيرة آيبريا. في عصور لاحقة صار بعض هذه المراكز من أشهر المدن المطلة على البحر الأبيض المتوسط، مثل قاديش، أقدم المدن في أوروبا، وجنوة ومارسيليا والجزائر وبيروت وغزة وغيرها عشرات.

إنَّ معظم المكوّنات الحضارية في التعاريف اليوم من تطوير مدن جنوب العراق. إنها الكتابة والقراءة والموسيقى والصناعات والشوارع والقصور والمعابد والأسواق وأنظمة الحكم القسرّية التي بدأت بالكهنة الذين استخدموا عطايا الناس لاعادة توزيع الفائض منها وزيادة نفوذهم في المجتمعات، واتخذوا من المعابد الكبيرة مقرات سياسية لممارسة سلطتهم التي كانت الأولى في بعض المراحل، والثانية في مراحل غيرها صعد فيها نجم الملوك وارتفعت قصورهم.

أُورُك من مدن الحضارات الكبرى التي لم تتضح أهميتها العظمى إلا بعدما بدأ لوفتوس[2] أعمال التنقيب في المرحلة الأولى التي استمرت بين عامي 1850 و1854، لكن أور قامت أولاً، كما كان يُعتقد آنذاك، فلها سبق ما بعده سبق، ومن بعض أنظمتها نسخ الكهنة والملوك في دول المدن بعدها ما ناسبهم لبناء مدنهم العظيمة. الآكاديون أخرجوا «أتراحسيس»، لكن ملحمة چلچامش كانت الملحمة المخلدة الأولى، وكان بطلها الملك الأسطوري الأول الذي لحقه عشرات أبطال الأساطير في آداب الشعوب الأخرى ومنهم اليونانيون القدماء. الفرق أن چلچامش ربما كان ملكاً حقيقياً، والبعض يعتقد أنه كان يمارس صلاحياته في أورُك سنة 2750 ق.م.

[1]  پروماش Parumaš اسم أطلقه الآكاديون على ما صار يُعرف لاحقاً ببلاد «فارس». اسم الخليج في كلامهم مرّات Marratu قسّموه إلى قسمين: الأول تانت (البحر) الكلدانيين tāntu ša Kaldi والثاني تانت سپليت (الأسفل) tāntu šaplītu فيما تعني لفظة پرسواي parsuāiu الخراف الفارسية. فارس أصل فرس، أي الجواد، استأنسه الخلق في وسط آسيا قبل نحو ستة آلاف سنة، واستُخدم في بلاد الرافدين قبل خمسة آلاف سنة على نطاق واسع. ويبدو أن فرس وفارس من النواة *پر المُرحّلة في العربية إلى *فر بمعاني الفرار والابتعاد. ويُلاحظ أن لفظات إشپَرد išpardu وإشپرد išperdu وإشپر išpar تعني نوعاً من اللجام الخاص بالفرس، فيما تعني پَرو parû بغل. وللبغل في الآكادية مرادفات ومتصلات منها كودن kūdunu؛ شا-كودني ša-kūdini: بغال (حرفيّا: صاحب البغال)؛ بيت كودني bēt kūdini: بيت أو اسطبل البغال. في لسان العرب: «الكَوْدَن والكَوْدَنِيُّ البرذون الهجين، وقيل هو البغل، ويقال للبرذَوْن الثَّقيل: كَوْدَن تشبيهاً بالبغل». نواة الاسم، كما يبدو، *كد، وهي مُرحلة، مثل *جد، من النواة اليمنية *چد والتأذيل في برذون حمله بعض جماعة الكلام إلى العربية المُهاجرة.

[2]  William Kennett Loftus

3 COMMENTS

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here