تشريع ابن عباس ومفسرين غيره باطل لاقامته على لبس في فهم معنى “شرع” (2)

0
183
The_Flood_with_Noah's_Ark_(London) Jan Brueghel the Elder

58:5:1  لا توجد وسيلة لتحديد معاني الكلام سوى الكلام. وعرف الناس هذه الحقيقة اللغوية من أول الزمان، فاصطلحوا على مبدأ لغوي أساسي يقوم على اتفاق أهل اللسان جميعاً على ضرورة اتفاق اللفظ والمعاني لا اتفاق اللفظ واختلاف المعاني، أو اتفاق المعاني واختلاف اللفظ. إذا أخل الناس بهذا المبدأ البسيط فسد اصطلاح الناس على الكلام والمعاني، وبطل التواصل اللغوي، وتعدى الناس حدودهم الوضعيّة فتعدّوا على حقوق الآخرين.

إذا قال القرآن «ومن الناس من يعبد الله على حرف»، وقال مفسر: «أهل الكتاب لا يأتون النساء إلا على حرف»، وجاء في قولٍ آخر «اقرءوا القرآن على حرف»، وقال الأصمعي «الحرفُ: الناقة المهزولة»، وقال مترجم «الحُرافُ حيّة مُظلمُ اللّون يضربُ إلى السّواد إذا أخذ الإنسان لم يبق فيه دم إلا خرج»، وحالات مثل هذه في تآليف المنقول بالعشرات، فكيف للناس أن يفهموا ما هو المقصود بـ«الحرف»؟ الكلمات التي لا يعرفها الناس في القرآن قليلة فهذا كتاب «فُصّلت آياته»، لكن إذا قصد القارىء التفسير لمعرفة كلمة غُمضت فما هي الفائدة من صرف الوقت على البحث إذا لم تتفق جماعة الكلام على تعريفها؟

تعريف «شرع» واضح لا لبس فيه: «الشّريعة والشّراع والمشرعة المواضع التي يُنحدر إلى الماء منها، قال الليث: وبها سمي ما شرع الله للعباد شريعة من الصوم والصلاة والحج والنكاح وغيره» (ل.ع، شرع). بما أن مصدر التشريع بموجب هذا التعريف غير إلهي، فربما قال قائل إن كل ما شُرّع بموجب معاني هذه اللفظة لا قدسيّة له ولا شرعيّة.

هذا استنتاج ربما شاء البعض أن يتمعّن جيداً في مضاعفاته، وربما شاء البعض ألا يخلطنَّ أحد الكلام فيرد إلى الله القوانين التي صنعها البشر، ولا يعطيّنَ أحد هذه الشرائع «الأرضية» موافقة السماء، وبالتالي موافقة الناس وقبولهم. إذا كان في النوع الأرضي من التشريع ما يفيدهم ويعدل بينهم، فهذا شيء، لكن أن يُقال بالتزام الناس بما اخرجته الجماعة من شرائع الله، فهذا ليس معنى «شرع» المُعتمدة في فهم الشرع والشريعة.

وقال بعض الباحثين إن الفرق بين مفهوم «شرع»، كما عرفه المفسرون وباقي جماعة الكلام، و«شرع» الالهية ليس مهماً بل في غاية الحرج. حكم المفسر، أو الفقيه، وهما عند البعض اشتغال، يستند إلى معرفته بمعاني الكلام. إذا كان يجهل الفرق بين التشريع الالهي والتشريع المُستمد من ضمان تدفق الماء لئلا يموت الناس والبهائم عطشاً، فكيف له أن يَخرج بأحكام مبنيّة على فهم خاطىء لمعاني الكلام؟ إذا كان الشرع شرع *رع، فهو معروف للناس جميعاً – يفتحون القرآن ويقرأون تشريع السماء. إذا اختلف الناس على المعاني فعندهم تأصيل الكلام يفصل بينهم. أمّا أن يبني المفسر أو الفقيه الحكم على مقدار فهمه للكلام فهذا الحكم مبني على فهمه لمعاني الكلام لا على المعاني الصحيحة للكلام، فربما اختلفت والأمثلة صارت كثيرة.

إذاً، يسأل بعض الناس، على أي أرضية فهميّة أقيم التشريع البشري في الاسلام، وما هي شرعيته القرآنيّة، وما هي حدوده، ومن هو الذي وضع هذه الحدود، وما هي مرجعيته، وفي أي آية هو أو آيات؟ إذا قيل إن هذا تحقق بالاجماع والقياس فإجماع من هو، وقياس من هو، وفي أي عصر كان؟

إن الشرعيّة قضية مهمة لأنها رأس الاشتغال، فواجب الناس جميعاً أن يعرفوا المقصود بها وحالاتها المبيّنة في القرآن.[1] باحثون آخرون يقولون إن الكثير مما جاء في القرآن جاء في التوراة والانجيل، لذا فإن الشرع ليس ما جاء في التوراة الصحيحة، وليس ما جاء في الانجيل الصحيح. الشرع ما شرّعه الله، والمحرّم ما حرّمه الله، ليس في «الكتاب»، فربما اختلف من عصر إلى عصر ومن دين إلى دين ومن نبي إلى نبي – المحرم والمحلل ما هو محرم ومحلل في ﴿الكتاب﴾ الذي هو النبع العلوي الذي تستقي منه كتب الأنبياء الكبار بعض أحكامها ووصاياها.

ويعرف معظم الناس التوراة والانجيل، لكن الأنبياء كثيرون، ويمكن الافتراض أن بعض الأنبياء حملوا لأقوامهم شريعة فيها ما تضمّنه ﴿الكتاب﴾، وفيها ما تطلبته الحاجة المخصوصة لكل قوم. بما أن *رع هو الله عند بعض المصريين القدماء، فمصدر التشريع عند الفراعنة وعند العرب واحد هو التشريع الإلهي، لذا لم يتغير هذا المصدر التشريعي الوحيد في ألوف السنين، وهو أسبق بكثير من التوراة والانجيل.

ويمكن الدلالة على استمرارية التشريع وفق المفاهيم الإلهية من الآية: «شرع لكم من الدين ما وصّى به نوحا والذى أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى» (الشورى 13). وليس قبل اليهودية كتب «سماوية» اعترف بها اليهود، لكنهم يؤمنون بوحدانيّة ربهم، فالشرعيّة، يُفترض، أن تكون من عند الله. إلا أن الفرق بين التشريعين اليهودي والاسلامي كبير، فالتشريع الاسلامي يرتكز على مفاهيم التشريع الإلهي القديم في أديان جزيرة العرب (*رع). لكن اليهودية دين جديد بالمقارنة، لذا اقتضى من الكهنة إرساء أساس واضح للشرعيّة اليهودية لا يخرج عنه أحد من اليهود، ووضعوا هذا التشريع في يد موسى أولاً، ثم في يد داود. وذهب موسى وداود وسليمان، وبقي الكهنة فهو في يدهم فكأنما بترتيب. ذلك أن الفرصة التي انتظروها طويلاً سنحت في المئات القليلة التي سبقت الميلاد فصار الكهنة في عهد المكابيين لليهود ملوك السماء والأرض.

هارون في الاسلام «نبي»، وهو أخو موسى، وموسى ممسوح من الرب بتنزيل التوراة والمخاطبة. صفة هارون في الكتب اليهودية وعند اليهود «الكاهن»، ونسله ممسوح مثله لأنه ممسوح في الأصل، ولهم تقدمات من وقائد الرب ليكهنوا له. لضبط الموارثة الكهنوتية، تضمنت الكتب اليهودية لائحة بأسماء بني هارون الممسوحين بعدما أعدّهم الجيل الأول للكهانة.[2] أما كيف حظي هارون بمرتبة «الكاهن الأعظم» فمروي في فقرات عدّة تمت مراسيمها بمكالمات بين الرب وموسى، واسنُدت للكهنة مهام محددة ومساكن خاصة بالكهنة والعشائر، وحصص من الفضة والبهائم وعطايا.[3]

وتغير الحال باليهود بعد موسى، وصارت لهم دولة، فتطلب ذلك إعادة بناء الشرعيّة الملكيّة، علاوة على الشرعيّة الكهنوتية، وهي مهمة أسندها الكهنة إلى داود في مجموعة من الأحداث. وفي سفر صموئيل الثاني إشارتان إلى ممسوحية دواد وملوكيته: «وأنا اليوم ضعيف وممسُوح ملكًا» (38:3، 39:3)، فيما يقول الرب لسليمان: «قد اعطيتك حكمة ومعرفة واعطيتك غنى واموالا وكرامة لم يكن مثلها للملوك الذين قبلك ولا يكون مثلها لمن بعدك» (سفر أخبار الأيام الثاني 12:1).

ولما جاءت المسيحية أخرجت لنفسها الشرعيّة من الكتب الأسبق فقالت جماعة عيسى إنها وجدت اسم يسوع في «ناموس» موسى، فهو ممسوح من أيام موسى،[4] لكنه معزز بمسحة الله بالروح القدس والقوة.[5] وبما أنه ممسوح، فهو يستطيع مسح الجماعة مسحة دائمة: «وأما أنتم فالمسحة التي أخذتموها منه ثابتة فيكم، ولا حاجة بكم إلى أن يعلّمكم أحد، بل كما تُعلمكم هذه المسحة عينها عن كل شيء، وهي حق وليست كذبا. كما علمتكم تثبتون فيه» (يوحنا الرسول الأولى: 27:2).

[1]  «وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقا لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين» (المائدة 46). «وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون» (المائدة 47). «وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون» (المائدة 48). «وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم وإن كثيرا من الناس لفاسقون» (المائدة 49). «أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون» (المائدة 50). «أم لهم شركآء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ولو لا كلمة الفصل لقضى بينهم وإن الظالمين لهم عذاب أليم» (الشورى 21). «شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذى أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبى إليه من يشآء ويهدى إليه من ينيب» (الشورى 13). «واسألهم عن القرية التى كانت حاضرة البحر إذ يعدون فى السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون (الأعراف 163).

[2]  «لأن صدر الترديد وساق الرفيعة قد أخذتهما من بني إسرائيل من ذبائح سلامتهم وأعطيتهما لهارون الكاهن ولبنيه فريضة دهرية من بني إسرائيل» (اللاويين: 34:7)؛ «تلك مسحة هارون ومسحة بنيه من وقائد الرب يوم تقديمهم ليكهنوا للرب» (اللاويين: 35:7)؛ «هذه أسماء بني هارون الكهنة الممسوحين الذين ملأ أيديهم للكهانة» (العدد: 3:3).

[3]  «هذه تواليد هارون وموسى يوم كلم الرب موسى في جبل سيناء؛ وهذه أسماء بني هارون: ناداب البكر، وأبيهو وألعازار وإيثامار. هذه أسماء بني هارون الكهنة الممسوحين الذين ملأ أيديهم للكهانة … وكلم الرب موسى قائلا: قدم سبط لاوي وأوقفهم قدام هارون الكاهن وليخدموه. فيحفظون شعائره وشعائر كل الجماعة قدام خيمة الاجتماع، ويخدمون خدمة المسكن، فيحرسون كل أمتعة خيمة الاجتماع، وحراسة بني إسرائيل ويخدمون خدمة المسكن. فتعطي اللاويين لهارون ولبنيه. إنهم موهوبون له هبة من عند بني إسرائيل. وتوكل هارون وبنيه فيحرسون كهنوتهم، والأجنبي الذي يقترب يقتل. وكلم الرب موسى قائلا: وها إني قد أخذت اللاويين من بين بني إسرائيل، بدل كل بكر فاتح رحم من بني إسرائيل فيكون اللاويون لي. لأن لي كل بكر. يوم ضربت كل بكر في أرض مصر قدست لي كل بكر في إسرائيل من الناس والبهائم. لي يكونون. أنا الرب» (سفر العدد 3).

[4]  فيلبس وجد نثنائيل وقال له: «وجدنا الذي كتب عنه موسى في الناموس والأنبياء يسوع ابن يوسف الذي من الناصرة» (يوحنا: 45:1).

[5]  «يسوع الذي من الناصرة كيف مسحه الله بالروح القدس والقوة، الذي جال يصنع خيرا ويشفي جميع المتسلط عليهم إبليس، لأن الله كان معه» (أعمال الرسل 38:10).

تشريع  أئمة الكلام في الاسلام باطل لاقامته على لبس في أصل لفظة “شرع” (1)

  • من فصل “الرعد”، أصل الأديان، عادل بشتاوي

 

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here