آباء البشر: سُم (2)

3
221
الحجر أو مدائين صالح- الهيئة العليا للسياحة في السعودية

القسم الأول على هذا الرابــــــط

القسم الثالث على هذا الرابــــط

 

89:7:1  للسومريين في تآليف بعض الغربيين أصول بشرية مجهولة وحضارة «انخلاقيّة» فيُزعم أنهم طوّروا حضارتهم بأنفسهم من العدم ولم يتأثروا بحضارات السابقين أو السائرين. أحد أسباب هذا التصوّر أن حضارة السومريين غاية في التميز والابتكار في منطقة لا يوجد فيها ابتكار السومريين وتميزهم، فلغتهم مختلفة عن جيرانهم، وثقافتهم مختلفة ومفاهيمهم الدينية. وهذا تصوّر يُؤخذ العلم به وسيبقى قائماً إلى أن يتمكّن الباحثون العرب من تقديم صورة مغايرة.

 وبالفعل عرض بعض الباحثين العرب نظرياتهم أو تصوراتهم في شأن أصل السومريين إلا أن الأمر لم يُحسم بعد، ولا يزال النقاش مستمراً لأن ما قُدّم حتى الآن لم يتمكّن من تقديم إجابات مقنعة عن عدد من الأسئلة المتصلة بهذا الموضوع. في الوقت نفسه نشد باحثون آخرون السلامة فسايروا النظريات الغربيّة، فربما وجد البعض هذا الموقف متساوقاً مع الكثير من الدراسات الآكاديمية العربية التي يتهمها البعض بالاخفاق في تحقيق استقلالية مناسبة تنأى بها عن الهيمنة التي فرضها المستشرقون على الدراسات البحثية اعتباراً من الربع الأخير من القرن التاسع عشر. احتمال آخر سُمع أن البحث في تاريخ الحضارة السومرية يقتضي البحث في أديان السومريين، وربما تبيّن في العرض تأثير السومرية في بعض المفاهيم الدينية، ومنها المفاهيم الدينية الاسلامية، فههنا خشية بعض الباحثين من تشهير بعض جماعة الكلام أو من المتطرفين.

رأي تأصيل الكلام أن اعتبارات القدسيّة مقصورة على القرآن لا غير، وتُعالج نصوص التفسير وغيرها من تآليف المنقول معالجة النصوص العادية. الملك الذي ينخرط في الأسواق يصبح تاجراً فتسري عليه شروط البيع والشراء التي تسري على باقي التجار، والكاتب الذي ينخرط في الكتابة يصبح كاتباً فتسري عليه أحكام النقد، مثله مثل غيره، وتُرفع عنه حصانة القدسيّة، وليس له من القدر سوى قدرة تميزه كاتباً، وليس يُقال عن كاتب «رضي الله عنه»، فهذا رأي جماعة الكلام في الجماعة نفسها لا رأي الناس، وليس يُقال عن كاتب «حبر الأمة» لأنّه بُيّن أن الأحبار ḫāpiru كهنة اليهود.

الأجدى للباحث إن يحصر اهتمامه بموضوع بحثه ويصرف النظر عن رأي من وجد في تآليف المنقول «منهجية بحثيّة»، فإنما وجود مثل هذه المنهجية وهم. صدقيّة الراوي لا تُلبس الرواية الصدقيّة إذا كانت من نصوص الفث والغث والخلط والخرافات والأساطير والاختراع، وهو كثير في مجلدات التفسير وباقي تآليف المنقول. الموقف البحثي من بحوث الغربيين مختلف فله أسباب ربما قيل إن بعضها لا يتصل بالمنهجية البحثية وإنما بمادة البحث نفسها، وهي مادة غربية في الأصل لأن الغربيين أول من اشتغل بالمسوحات الآثرية في العراق من منتصف القرن التاسع عشر. مثلاً، من نظريات الباحثين العرب أن للحضارة السومرية أصول «فراتيّة» فلا معنى لهذا القول لأن الفرات يصب في جنوب العراق بعد اختراق مناطق شاسعة في تركيا وسورية والعراق فيما أهم مدن السومريين الأولى في جنوب العراق حصراً. نتائج المسوحات الآثرية لم تكشف في جنوب العراق عن مدن أقدم من أريد، فيما دلّت مسوحات أثرية في حوض الفرات الغربي على تطوّر مستوطنات وبلدات سبقت أريد وأور بألوف السنين فيمكن اعتبار نشوء بعضها موازياً لتطوّر العمارة في جنوب العراق في حالات وأسبق بكثير في حالات. هذه المسوحات لم تكتمل لأسباب ربما كان أحدها إغراق الكثير من المستوطنات البشرية القديمة نتيجة إنشاء سد الثورة في سورية. الثابت، مع ذلك، حتى الآن أن أقدم المستوطنات البشرية كانت في حوض الفرات السوري، وهي التي عُثر عليها في منطقة تل أبو هريرة، ويعود أقدمها إلى الألفيّة الثانية عشرةق.م.

ومن المنطقي الاستنتاج أن السومريين لم يكونوا وحدهم في العالم القديم، لذا فإنَّ اختلاط أبناء المنطقة والجوار حالة طبيعية موجودة اليوم وكانت موجودة في الأزمنة الأقدم. ومن البدهي اكتشاف بقايا بشرية في المواقع الآثرية في جنوب العراق تُظهر أن السكان لم يكونوا عرقاً واحداً، وكان في اختلاف جماجمهم وبقايا عظامهم الاختلافات التي يجدها الباحث في أهل الزمان السائر، أو أن يحاول بعض الباحثين تأصيلهم في مواطن خارج العراق استناداً إلى أنواع معينة من الفخاريات تشابهت مع فخاريات عُثر عليها في منطقة الخليج أو في منطقة حقبة حلف الحضارية في شمال سورية، وكذا الأمر، وإن اختلف، في اقتراحات أخرى أصّلت السومريين خارج المنطقة في حوض الأندوس أو الهند أو الصين أو وسط آسيا، وغير ذلك من مواضع، فيما ذهب البعض أبعد من كل ما على الأرض فاقترح للحضارة السومرين أصول في الخلائق العجائبية التي نزلت من الفضاء.

ومن الملفت في جهد محاولة تأصيل السومريين أن بعض الباحثين كان يعتقد أن الأمر حُسم في القرن التاسع عشر، اعتماداً على مصادر بعضها لا يزال مصادر البحث الحديث. مثلاً، يورد هيرودوتس في تاريخه اسم الكنعانيين (الفينيقيين) أو بلاد كنعان الجديدة (فينيقيا) نحو 75 مرة، ويتعرّض إلى تجارتهم وبضائعهم في الكثير منها، بل يفتتح كتابه بالحديث عن الكنعانيين نقلاً عن الفرس فيقول: «شرع الفينيقيون فور الاستقرار في المناطق التي يستوطنونها الآن في تنظيم رحلات بحرية طويلة وحمّلوا سفنهم ببضائع ومصنوعات مصر وآشور، ورسوا في مناطق كثيرة على الساحل منها أرغوس (ميناء تاريخي شمال شرق اليونان) وكان عاصمة الأشهر من بين الدويلات المنضفرة اليوم تحت اسم هيلاس (اليونان). وهنا عرض الفينيقيون بضائعهم وتاجروا مع سكان أرغوس خمسة أو ستة أيام باعوا في نهايتها كل ما جلبوه تقريباً.»[1]

وهذا إسقاط استنتاج مرحلة زمنية معينة أخرجت بحوثها اعتبارات معينة سُحبت على أزمنة أسبق بكثير وأفشلت معظمها نتائج تحليل المسوحات الأثرية في مناطق الفرات والجزيرة الشاميّة التي لم تكن محل اهتمام كثيرين من علماء الآثار في القرن التاسع عشر لأنها ليست من مناطق الرواية التوراتية.

ولتأصيل الكلام حدوده لكن تحديد اختلاف اللغات لا يبدأ من اعتبار الحدود وإنما من التأكد أن هذه الحدود هي الحدود الطبيعية للكلام. مثلاً، إذا ظن الباحث أن العربية، وقبلها العاربة، قائمة على الثلاثي فمن الطبيعي أن تُقام معظم استنتاجاته على خطأ لأن الثلاثي ليس أصول الكلام. ولا يكفي أن يدرس الباحث قوائم اللفظات السومرية ثم يعتبرها الأساس في الحكم على لغات أخرى ففي هذه اللوائح الكثير من اللفظات ذات الأصل العاربي.

ما يمكن قوله، حتى الآن، هو أن السومرية أكثر بدائية من لغات العاربة بكثير لأنها الكثير من لفظاتها أحادية، والأحادي لا ينتج لغات الاشتقاق بل لغات الجمع والوصل. إنما تتميز السومرية بوجود عدد كبير جداً من الحروف المعلولة التي تمكّن المستخدم من انتاج الكلام بالتحكم ببعض هذه الحروف في طريقة قريبة من استخدم الهمزة التي ربما بُدلت من الألف والواو والياء، وهذه ظاهرة، كما يبدو، في بعض اللغات الافريقية القديمة (انظر الحاشية 6).

المشكلة التي يمكن أن يواجهها الباحث في محاولة تحديد أصول لغات قديمة مثل السومرية في لغات افريقية بعينها قريبة من المشكلة التي واجهتها محاولة البحث في اللغات الافريقية الشرقية عن أصول العاربة، أي أن الفاصل الجغرافي بين شرق افريقيا وجزيرة العرب صغير نسبياً. كما يمكن رد أصول بعض كلام العاربة إلى لغات افريقية شرقيّة سيستنتج الباحث أن أصل بعض كلام شرق افريقيا ربما كان جزيرة العرب لأنّه من الخطأ الافتراض أن أقوام شرق افريقيا رحلت من مواطنها إلى جزيرة العرب فانقطع الاتصال بين الراحلين وبين أصولهم البشرية في المواطن الأصليّة. الأكثر منطقية الافتراض أن تواصل الراحلين والباقين استمر عبر الأجيال.

إن المشكلة التي واجهتها السومرية هي المشكلة التي واجهها الناطقون بالأصول الثنائية في العاربة، وتتمثل، في أحد أوجهها، بتراكم المعاني على أصل بذاته، كما في سچ، مثلاً، فتلتبس على الناس. العاربة لغة اشتقاق كثيف وجدت الحل بابتكار المباني المعتمدة على الأصول الثنائية، مثل الثنائي المضاعف والثنائي المتوالف، قبل ابتكار الثلاثيات من الأصول الثنائية. تأصيل الكلام يعتقد أن السومرية وصلت إلى طريق مسدود فصارت عاجزة عن التعبير عن الدلالات التي تطلبها تطوّر الحضارة واختلاف الانتاج والحالات، لذا استطاعت الآكادية استيعاب لفظات سومرية كثيرة لكن عكس الحالة لم يكن ممكناً لصعوبة انتاج الكلام السومري الذي يستطيع أن يضمن لنفسه اصطلاح الناطقين عليه في اللفظ والمعنى في مرحلة حضارية باهرة اقتضت من الكلام مسايرة الحضارة وابتكار دلالاته اللفظية الكثيرة.

[1]  «شهادة التاريخ بخصوص أصل الفينيقيين هي الآتية: أخبرنا هيرودوتس أن الفينيقيين أنفسهم والفرس، الذين هم أفضل من يعرف التاريخ وأحداث الزمان القديم، متفقون على أن المستوطنات الأصلية للشعب الفينيقي تقع في بحر إريثرايان (الخليج العربي/الفارسي)، وأن الفينيقيين هاجروا من تلك البقعة في زمن بعيد ونقلوا موطنهم إلى شواطىء البحر الأبيض المتوسط (Herodotus, i, 2; vii. 89). وأضاف سترابو إلى ما تقدم أن سكان جزر بعينها في الخليج الفارسي هم أصحاب تاريخ مشابه، ودلّوا في مدنهم على معابد ذات طابع فينيقي (Strabo. xvi. 3 & 4.). وكتب جوستين، أو بالأحرى تروغوس بومبيوس الذي لخص جوستين من أقواله الآتي: ‹نهضت الأمة السورية من الفينيقيين الذين هز زلزال حياتهم فهجروا موطنهم الأصلي واستقروا أولاً في منطقة مجاورة لبحيرة آشورية، ثم انتقلوا إلى سواحل البحر الأبيض المتوسط حيث بنوا مدينة اسموها صيدون بسبب وفرة السمك قبالتها، ولهذا يطلق الفينيقيون على السمكة اسم صيدون› (History, Philipp. Xviii. 3 & 4). والبحيرة الآشورية التي ورد ذكرها هي على الأرجح بحر نضيف أو البحر النظيف القريبة من بابل القديمة، وهي عبارة عن سطح مائي دائم تختلف مساحته باختلاف الفصول، لكن طوله في العادة نحو 40 ميلاً وعرضه ما بين عشرة أميال وعشرين (Ancient Monarchies, i. 14). وتُعرف محاولات هدفها التشكيك بالقصة كاملة، لكن الخبير الأهم في شؤون فينيقيا والفينيقيين (يقصد رينان) اعتمدها كاملة (Renan, Ernest, Historie des Langues Sémitiques, p. 183.) ولاحظ الآتي: ‹القصة الشائعة عن رحلة الفينيقيين من حدود بحر إريثرايان قبل توطين أنفسهم على سواحل البحر الأبيض المتوسط حظيت بضوء جديد سُلّط عليها. إذ يبدو من أبحاث فرانز كارل موفيرس Movers ومن اكتشافات أثرية أخيرة في نينوى وبابل أن حضارة ودين فينيقيا وآشور كانا متماثلين جداً. وبمعزل عن هذا يقر جمهور النقاد أنه ثبت بالكشف أن الموطن الأصلي للفينيقيين يجب تحديده في القسم الأخفض من الفرات، ووسط مراكز تجارية وبحرية كبيرة للخليج الفارسي، وبما يتوافق مع الشهادة الاجماعية لما جاء في الأزمنة القديمة›»(Rawlinson, Canon George, History of Phoenicia, 1889, pp. 39-40).

  • قسم من الفصل السابع من كتاب “أصل الأديان”

3 COMMENTS

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here