أصل الحج

3
115
AP - Mecca at night

في تآليف النقلة كلام كثير عن مكة وأسواقها ومعابدها، إلا أن المشكلة في كل هذه المجلدات ليس المحتوى بل صعوبة التحقق منه، وربما استحالته، لذا، على الباحث الذي يريد تحديد مكان الجامعة الأولى ومكان المعبد الأول أن يحدد مكان السوق الدائمة الأولى.

86:7:1  من الحقائق اللغوية أن القرآن يحتوي لفظات أصلها بالباء والجيم المثلثتين لم تستطع جماعة الكلام تحديدها. ويمكن الاضافة أن چححچ إحدى أهم الفصائل اللغوية الدينية في كلام العربية والعاربة معاً، لكن لفظاتها مُلفتة لسببين:

  • لم يجد تأصيل الكلام التطبيقي أي صلة تاريخية للفظة “حج” بكلام الدين، ولها نطاق معانيّ الحجارة والمقالع الحجرية وطحن الحجارة وتسوية الأرض والنشاطات المتصلة بها؛
  • لفظاتها مُرحّلة إلى كلام الشمال بالجيم والكاف والقاف، ومنها *حج و*حق، وكلاهما في الأصل كلمة واحدة. بما أن نطاق معاني هذه الفصيلة اللغوية حجارة مكة ومقالعها وطحن الحجارة وتمهيد الأرض، يُرجّح أن يكون لبعض جبالها في الألفيّات البعيدة أهميّة كبرى أكسبتها نوعاً من القدسيّة اللاحقة.

ولعمل التحجير علاقة بمكة كسوق تجارية ألفيّة مهمة، إلا أنه اشتغال تاريخي كبير يتطلب عرض أصوله وخلفيّاته ونتائجه مساحة أوسع من المتُاحة ههنا. إنما يمكن القول في هذا المكان إن تأصيل مكة في *مك تأصيل وسيط سبقه تأصيل أقدم، وربما أقدم بكثير، في *مچ، فإن تأنّثت فهي «مچت». وينطبق على تأصيل الكلام منطق الأشياء جميعاً، إذ من الواضح أن اسماً بالجيم المثلثة من أقدم الأسماء، إلا أن الوصول إلى مكة مرحلة لاحقة سبقها الوصول إلى سواحل جزيرة العرب التي يبدو لتأصيل الكلام أن اسمها كان *يم، سحب منه الناس في عصر لاحق الاسم المعروف «يمن»، فهي نسيلته المباشرة.

وأسماء المواضع من الرعيل اللغوي اللاحق، سبقه ابتكار لفظات الحاجة الحياتية، مثل الماء والغذاء، لذا يمكن أن تُضاف إلى *يم النواة عد التي تعني قوم عد وموطنهم الأول في*يم معروفة بنسيلة ابتكرها قوم عد في عصر لاحق هي «عدن». أما لماذا أصّل البحث «يمن» في *يم فلأنّ الأسماء القديمة جامعة لجنس الأشياء في المكان نفسه، لذا اعتبر من وقف على ساحل افريقيا ونظر شرقاً أن كل ما امتد أمامه بحر (*يم)، وأن يابسة اليمن جزء من الامتداد، ومن هذه اليابسة اتجه بعض قوم عد شمالاً وانتشروا في الأرض فاكتشفوا مكة وجبالها.

وفي بعض النصوص إشارات إلى مكانة مكة الدينية العالية، إلا أنّ المعروف في تاريخ الحضارات أن المعابد حالة لاحقة تسبقها عادة الأسواق التجارية، وهي نفسها حالة جد متقدمة في تاريخ الحضارة. وتحت مظال البضائع التي عرضها التجار، ربما توقف الناس للشراء والمساومة وسماع أخبار الناس في الأسواق التي اشترك فيها التجار قبل وصولهم إلى سوق مكة. في هذه الأسواق ارتفعت المنابر الأولى على الحجارة أو الأكياس الجلدية الصلبة، وتحدث العارفون في الشؤون التي تهم الناس. إلى الأسواق الأولى كان الخطباء والشعراء والكهنة يتوجهون في أوقاتها لعرض أفكارهم، وإلقاء قصائدهم وشرح المفاهيم الدينية. من اجتماع هؤلاء، وغيرهم من الناس، في الحلقات المعروفة في الأسواق المهمة كافة، بدأ تقادح العقول والأفكار وتطوّر المفاهيم والآراء، ثم افترقوا أملاً بلقاء متجدد في شهر السوق الآتي.

في تآليف النقلة كلام كثير عن مكة وأسواقها ومعابدها، إلا أن المشكلة في كل هذه المجلدات ليس المحتوى بل صعوبة التحقق منه، وربما استحالته، فلا يبقى من أدوات الباحث سوى نتائج معثورات التنقيب ونتائج تأصيل الكلام. ويؤكد تأصيل الكلام ما لا تستطيع أعمال التنقيب عن الآثار القديمة إثباته وما لا تستطيع المجلدات السلفيّة تأكيده. مثلاً، لفظة «مكّار» لها المعنى الشائع، إلا أن معناها الأصلي «التاجر المتنقّل»، لأنه كان «يُمكك» من سوق إلى سوق مثل «المكوك». إذا حُصر فعل «المكمكة» بسوق مكة فهي أول أهم الأسواق، لكن تأصيل الكلام لا يستطيع الافتراض أن مكة كانت أول أهم الأسواق، فربما كان في عمان سوق أقدم من مكة، وربما في عدن كان.

 إذا تمكّن تأصيل الكلام من تحديد نسيلة أو سابقة ثلاثية من النواة *مك لها اتصال واضح تماماً بمكة، يمكن عندها الاستنتاج أن مكة لم تكن أول أهم الأسواق لا غير، بل كانت أيضاً حالة لغوية قائمة بذاتها اضطرت الناس إلى ابتكار لفظات للدلالة على حالات مخصوصة اتصلت بالاشتغال في مكة، وأنَّ واحدة من اللفظات المهمة، أو أكثر، مُشتقة مباشرة من المُرحّلة *مك لا من أصلها بالجيم المثلثة *مچ. اللفظة التي بحث تأصيل الكلام عنها طويلاً «مكس».

 

87:7:1  يمكن أن ينظر رجل القوم إلى لفظة مثل «مكن»، فيستنتج بسرعة أنها نسيلة *مك، أي مكة، بإضافة «نون» التخصيص الثلاثي. يمكن أيضاً أن ينظر المعاجم فيجد لفظة ثلاثية اخرى مثل «مكث»، فربما استنتج بسرعة أيضاً أنها نسيلة *مك بإضافة «ثاء» التخصيص الثلاثي. استشارة لسان العرب تعرض الترجمة هذه: مكث: «المُكث الإقامة مع الانتظار، والتّلبُّث في المكان… رجل مكيث: ماكث، والمكيث أيضاً المقيم الثابت».

توجد مشكلتان ههنا: الأولى أن حرف الثاء ليس من حروف العربيّة الأصيلة، وليس من حروف الفرس لكنه من حروف اليهود وهو موجود بكثرة في كتب اليهود وفي أسماء بعض أنبيائهم. أن يُقال إن اليهود كانوا وراء انتشار الثاء في كلام العربية الملازمة يقتضي اللفت إلى أنه لا توجد فصائل أصليّة بالثاء ولمعظمها أصول في كلام موجود أصلاً في كتلة كلام النصوص وبعض كلام المحكيُات بحروف أصليّة. أهم برهان على أن الثاء ليست من الكلام الأصيل أن الحرف ليس من حروف المحكيّات. وإذا قيل إن بعض اللغويين اعتبروا لفظات الثاء «أعلى» أو «أليق» يُقال أيضاً إن دفع كلام الثاء في كتلة كلام النصوص ليس جهد لغوي واحد أو اثنين، وهو يتطلب تدخل لغويين أو مفسرين اعتبرهم البعض «أئمة»، أو تمتعوا بسلطة ما مكنتهم من فرض هذا الحرف على باقي اللغويين والمفسرين. لكن يُلفت إلى وجود لفظة مهمة في لسان العرب كوث: «أَما كُوثى التي بالسَّوَاد (العراق) فما أُراها عربية، ولقد قال محمد بن سيرين سمعت عبيدة يقول، سمعت عليّاً يقول: من كان سائلاً عن نِسْبَتِنا فإِنّا نَبَط من كُوثى». هذا يعني أن الثاء من حروف قريش، أو نطق بعضهم.

المشكلة الثانية أن الشرح حدّد في القسم الأول من ترجمة اللفظة، ثم عمم. هو تضمّن القول: «المُكث الإقامة مع الانتظار»، ثم أضاف: «المكيث أيضاً المقيم الثابت». القسم الأول من الترجمة ينطبق على التاجر والمشتري، أي أنهما يتلبّثان في المكان لكنهما لا يقيمان فيه لأنه سوق. القسم الثاني جعل التاجر مقيماً ثابتاً. الفرق بين تاجر يمكث في السوق وينتظر من يشتري بضاعته ثم يرتحل إلى سوق أخرى، وبين تاجر له إقامة ثابتة في سوق معروفة، هو الفرق بين محطة في الطريق الطويل إلى الحضارة، وبين بدء الحضارة، فهو فرق زماني يُقاس بالألفيّات. إحدى مضاعفاته هو تحديد إجابة يمكن البرهنة عليها لسؤال مهم: هل بدأت الحضارة المُدُنِيّة في مكة أم في أريد وأور؟

الميم في «مكن» أصليّة، لكن هل هي نسيلة *مك؟ ترجمة هذه اللفظة تبدأ بشيء مثل «المكنُ والمكنُ بيضُ الضّبّة والجرادة». هذا حال ترجمات كثيرة في معاجم العربية وليس من أحد يعرف ما هي المقاييس التي اعتمدها المترجمون لشرح الكلام. في الترجمة أيضاً: «المكانُ: الموضع، والجمع أمكنة؛ العرب تقول كن مكانك وقم مكانك واقعد مقعدك.» الثبات في المكان أهم معاني اللفظة فهي ليست من *مك بل من *كن، ومرادفة مكن الصحيحة سكن، وكلاهما سابقة ثلاثية للنواة *كن.

في معظم الحالات تأثيل لفظة ما تحقق لجماعة الكلام ببدل الثاء من لفظات بحروف مثل السين والشين والتاء. وتبدو مكث تأثيل مكت، وفي ترجمتها: «مكت بالمكان أقام، كمكد» (ل.ع). وفي المعجم نفسه ترجمة مكد: «مكد بالمكان يمكُدُ مُكُوداً: أقام به». ولم يُشر المعجمون إلى أن مكث تأثيل مكت، كما لم يقيموا اتصالاً بين مكد ومكث. ربما كان السبب جهد بعض جماعة الكلام تجنب إحراج غيرهم من جماعة الكلام تولّت في وقت أسبق تعجيم القرآن فأخرجت اللفظة بالثاء في سورة الرعد (17، «فيمكث»)، والاسراء (106، «مكث»)، وطه (10، «امكثوا»)، والنمل (22، «فمكث»)، والقصص (29، «امكثوا»).

 

88:7:1  معاني المكوت والمكوث والمكود موجودة في لفظة آكادية ملفتة كموس kammusu، من معانيها الاضافية: جلس، عاش في كذا، بقي، أن يصبح مواطناً في مدينة، ولها صيغة أخرى كماس kamāsu يتضمن شرحها بعض المعاني الاضافية. الملاحظ أن نواة اللفظة ليست *مك بل *كم، لكن هذا ليس خطأ لأن *كم قرينة *مك وهما يشكلان معاً الوحدة اللغوية كممك فإذا لحقت بالوحدة اللغوية متمماتها صارت الفصيلة اللغوية كممك. وقيل إن نطاق معاني الوحدات اللغوية والفصائل اللغوية نطاق واحد، لذا عادي انتقال بعض معاني لفظة معيّنة في نواة إلى لفظة أخرى في النواة الثانية.

المهم في ما تقدم الانتباه إلى أن مكن ومكين ومكانة وتمكن من النواة *كن، فيما مكت ومكد و«مكث» المؤثّلة من النواة *مك. تأصيل مكة في *مك إنجاز كبير لتأصيل الكلام، لكن *كم ليست لفظة عادية. تراجمة كمم في لسان العرب شغلوا معظم النص بمعاني الأكمام والتكميم، لكن معناها الباهر نحو آخر الترجمة: «كم حرف مسألة عن عدد، والكمّ وهو الكمّيّةُ». وليس يعرف لماذا اعتبر المترجمون *كم «حرفا»، لكن القول إن الكم هو «الكمية» صحيح. ويقول الناس في الاستفسار عن ثمن: «كم هذا؟»، أو «بكم هذا؟»، أي بأي كمية؟

لكن لماذا «كمية»؟

إذا كان المشتري في سوق الرياض أو بيروت أو القاهرة وسأل البائع: «كم الكيلو؟» فسيجيبه بعدد معين من عملة البلد. هذا حال غير حال الأسواق الأولى. البائع في الأسواق تلك ربما أجاب: «بقمحتين من الفضة، أو بعشر». إذا كانت السلعة غالية الثمن، فربما قال البائع «نواة ذهب»، أي بثقل النواة.

*كم، إذاً، لفظة أساسية في الأسواق، فاتصالها بـ*مك واضح تماماً. إذا نُظرت لفظة الأصل بالجيم المثلثة *چم لوُجد أن معناها الكثرة. الاستفسار عن السعر لا يتضمن الكثرة، لذا يمكن القول إن التجارة في الأسواق فرضت *كم فصارت من الكلام الذي لا يتحقق البيع والشراء من دونها.

ومعاني «الكميّة» معروف، وهي تتضمن الكثرة. إلا أن التمعّن في *كم يكشف ضمنية معاني الحساب والجمع. مثلاً، إذا سأل المشتري البائع «أربعة كيلو بكام؟»، فإن البائع سيضرب في عقله ثمن الكيلو بأربعة ويعطيه الحاصل. هذه القيمة الحسابية ضمنية في *كم لكنها حسابية صريحة في *جم، ومنها الجمع والمجموع.

ترحيل الجيم المثلثة إلى جيم لاحق، فيما الترحيل إلى الكاف قديم أو قديم جداً. في اللاتينية كومبيوتاره computare مركب من *كم ومن پتر/بتر (بوتاره)، أي اقتطع، فالمعنى الحرفي «كم هو المقتطع؟» ربما كان واضحاً أن اللفظة استخدمت في أول عمرها للسؤال عن مبلغ الضريبة، لكن الحساب جزء أساسي من استخراج الضريبة الصحيحة. من هذه اللفظة أخرج الناس كومبيوتر لأن لغته الرمزية قائمة على التعامل بالأرقام لا بالحروف والكلمات.

في محكيّة الشام «الجابي» هو من يجبي الضرائب وأجور النقل، فهي من *جب، أي عمل الاقتطاع الذي يعني ضمناً اقتطاع أجر ما أو ضريبة ما من مال الناس. اللفظة في محكيّة مصر «كمسري»، فهو من يتقاضى من ركاب الباصات، وغيرها، أجراً. في المحكيّة الشاميّة «كمسرة وكمسيون» لها المعنى المعروف. في كتلة المحكيّات لفظات ربما بدت عربيّة لكنها ليست كذلك، منها «شرمط وشرموطة». الأخيرة تحريف شارما charmant وهي الحسناء لكنها في المحكيات «العاهرة». أما الكمسري والكمسرة والكمسيون فتبدو تحريفاً فرنسياًانكليزياً قديماً من لاتينية القرون الوسطى commissionarius لا لاتينية الرومان، لحقت بها لفظة لاتينية commissionem لها معاني الكم والكمية والتوكيل التجاري مخلدة في بداية القرن الخامس عشر، مع الملاحظة أن لفظات الآكادية بكاف مضمومة كُم.

*هذا المقال جزء من الفصل السابع من كتاب “أصل الأديان”

3 COMMENTS

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here