84:7:1  من الملفت أن يكون لاسم بكّة اتصال بمكان يبدو غريباً تماماً عنها مثل «بعلبك بعل ← *بك». وانفرد الأزهري في التقرير أن اللفظة تتضمن اسمين جُعلا اسماً واحداً لكنّه لم يتمكّن من تحديد مبنى الاسم. ولا يبدو أن إقامة الصلة بين بكة/مكة كانت في خاطر المفسرين فاغتنم البعض فرصة التفسير للعودة بالقارىء إلى زمان أول الخلق وكأنه معاصر، فقال: «خلق الله البيت قبل الأرض بألفي سنة، وكان – إذ كان عرشه على الماء – زبدةً بيضاء، فدحيتُ الأرض من تحته»، وأضاف آخر «أول ما خلق الله الكعبة، ثم دحى الأرض من تحتها.» وأقام الطبري أحد أوجه الاتصال: «أما قوله ) للذي ببكة مباركا) فإنه يعني: للبيت الذي بمُزدحم الناس لطوافهم في حجهم وعمرهم. وأصل البكّ «الزحم»، يقال: منه: «بكّ فلان فلانا» إذا زحمه وصدمه، فهو يبُكه بكّا، وهم يتباكُّون فيه.» واختلف المفسرون في شأن بكة ومكة، فقال بعضهم: «بكة» موضع البيت، ومكة ما حولها. وقال آخر: «بكة»: «بك فيها الرجال والنساء»، ولم يجد آخرون فرقاً فقالوا إن بكة هي مكة، ثم لحق ذلك إعراب ونحو وما مثل ذلك من اصطناع عمّره بعض جماعة الكلام من اقليم بابل القديم، وغيرهم، ولم يجد الناطقون بكلام العاربة والعربية لزوماً له خلال خمسة آلاف سنة على الأقل أخرجوا خلالها بعض أعظم المؤلفات في التاريخ منها ملحمة أتراحسيس والقرآن.

ولا يقبل حرفا الميم والباء البدل لاختلاف الصوتين. إلا أن *بك وصفيّة لنوع من الاحتفالات الدينية يتخللها الابتهال والانشاد والدربكة والبكاء. وهذا واضح لأن دبك سابقة ثلاثية للأصل للنواة *بك، ومنها «بكأ» أو«البكاء». ولكلمة «دربك» اتصال واضح بهذه الاحتفالات الدينية، لأنها من مبنى الثنائي المتوالف: *در «الرقص والدوران»، و*بك التي تقدم شرحها.

وجود اسمين لمكة يعني أن أهميتها صارت مضاعفة بعدما باتت من أهم الأسواق التجارية والانتاجيّة في جزيرة العرب ومن أهم المراكز الدينية. وفي تآليف النَقَلة نصوص كثيرة عن أسواق جزيرة العرب في دومة الجندل وهجر والشحر، وسوقي عكاظ وذي المجاز، الأول في أعلى نجد في ذي القعدة، وينزلها قريش وسائر العرب إلا أن أكثرها مضر، وبها كانت مفاخرة العرب ومهادناتهم، والثاني سوق المجاز في منطقة مكة.[1]

في ترجمة مجن: «مجنّة موضع بأسفل مكة على أميال، وكان يُقام بها للعرب سُوق» (ل.ع)، فليس من الواضح إن كان سوق المجاز هو سوق مجن، أو غيره. إلا أن كلا مجن ومجز (مجاز) من نواة واحدة *مك، لذا فإن مكة غير بكة، لأن بكة من نواة لغوية مختلفة. لكن الاحتفاليات الدينية ضخمة لأن الناس يفدون إليها من أماكن كثيرة فربما اكتظت مكة بالزائرين وانتشر الناس خارجها. إذا افترض رجل القوم أن محيط الاحتفالية بكة، فمكة داخلها. حتى لو بقيت الاحتفالية ضمن حدود مكة فيمكن القول إنها بكة، وفيها أول بيت وضع للناس.

الأهمية، في رأي تأصيل الكلام، ليس التفريق بين مكة وبكة خارج مواسم الاحتفاليات أو خلالها، بل في قول الآية «وُضع للناس»[2] لأن الكثير من «بيوت الله» في جزيرة العرب وخارجها احتوت على المناحر، وكان دخولها محرماً على الناس، فأقام فيها العرّاف أو العرّافة أو الكاهنة أو الكاهن فكان، أو كانت، الوسيلة الوحيدة بين الناس والله. وستتضح هذه الحالة أكثر عند عرض الفصيلة اللغوية الحرجة جررج في الجزء الثاني من هذه الدراسة، لكن ربما قيل الآن إن حرم مكة كان «جامعاً» اجتمع فيه المصلون فاختلفت تماماً عن معابد أخرى بما في ذلك معبد قديم جداً كان في مكة سيُخصص لعرضه فصل مستقل في الجزء الثاني.

وقيل إن مكة غير بكة ويُقال إن مكة ليست الأسم الأصلي للمكان لأن النواة *مك ترحيل من أصل أقدم بالجيم المثلثة *مچ ربما لاحظ القارىء أنه من أصل يمني قديم، يبدو أنه انتقل إلى العربية من البابلية، له صيغة ترحيل آخر بالجيم بنقطة واحدة *مج منها «مجموع» و«مجموعة»، ميمها أصليّة، وهي حالة وجود عدد من الناس لا تحديد له. ويمكن القول «مجموع عدد المصلين»، لكن اللفظة طبيعية، أي أنها ليست مفهوماً دينياً بالضرورة، فهي لفظة مناسبة لوصف جماهير المشترين والبائعين في أسواق مثل مجن ومجز.

ويعتقد تأصيل الكلام أن أسم مجن أحدث الأسماء سبقه مكن،وكان قبل ذلك مچن، مما يؤهّله لاحتلال موقع تاريخي متميّز في عصر النوى اللغوية. إلا أن أهميته الكبرى كانت في عصر *مك فهذا سبب وجوده في مصروفات الآكادية، بالكاف. وللأسواق ضميمة لغوية تُميز وظيفتها، و*مك من أقدم الأسواق، إن لم يكن أقدم المهم منها في العالم، لأن عدداً من اللفظات المتصلة به معروفة في معظم لغات العالم الرئيسية، ومن نواتها اللغوية أخرج الناس في العصر الحديث لفظة كومبيوت compute وكومبيوتر computer.

ويستطيع تأصيل الكلام تحديد النوى اللغوية لاشتقاقات الكلام وتحديد عصرها اللغوي بالتقريب، لكنه لا يستطيع تحديد زمان استخدام نواة لغوية أو نسيلة أو سابقة إلا في حالات معيّنة. ولا يتطلب تزمين مكة تزميناً كربونياً أكثر من عظم حيوان شواه بعض أهلها أو التجار الذي كانوا يترددون على سوقها، فهو مدفون في مكان ما من مواقع السوق القديمة على أطراف مكة.

  إلى أن يتحقق مثل هذا التزمين الكربوني سيستمر التركيز على جنوب بلاد الرافدين موطناً لأقدم مدينة (لا أقدم مستوطنة أو قرية) في العالم، وأسبق الحضارات العظيمة في تاريخ الانسان الحديث. ولا بأس، فأصحاب الحضارات تلك هم أهل جزيرة العرب، وينتمون إلى ثلاثة أقوام رئيسية: أد، عد وسُم، وقوم رابع التحق، كما يبدو، في زمن أحدث هم الحميرين كانوا، في العموم، مستخدين للكلام ولم يستطع تأصيل الكلام تحديد أي مساهمة لغوية لهم باستثناء لفظة مهمة واحدة هي حمد يبدو أنها انحدرت من حميَر مباشرة خلال مرحلة التهوّد، معروفة في تعابير مثل «الحمد لله»، وأسماء مثل أحمد، ومحمود، ومحمد، وحمدان، وحميدة وغيرها.

وليس من بين نحو سبعين لغة في آسيا وافريقيا لسان أقرب إلى العربية، في محيط اللفظات وبعض الخصائص اللغوية الأخرى، من الآكادية لاحتوائها على الكتلتين اللغويتين الأساسيتين في العربية وقبلها العاربة، أي كتلة قوم *أد وكتلة قوم عد، وكتلة أصغر منهما بكثير انخرطت في كتلة الكلام الدينية والعامة هي الكتلة السومرية خلال مرحلة اندماج الأموريين والسومريين بين نهاية الألف الثالثةق.م وبداية الألفيّة الثانية.

أول العملات التي ابتكرها التجار الكبار نوع من الايقونات الحجرية المثقوبة ربما شاعت في وبار، أو أبار، اسمها قض، لكن الضاد من الحروف الداخلة فأصلها قص، لأن صنعها اقتضى قص حجرها الخام قبل نحته. من قض هذه، عرف الناس مفهوم القضاء والمقاضاة، فأساس القضاء التعامل بالقض.

النحاس أول المعادن التي تمكّن الانسان من معالجته لاستطاعته توفير درجة حرارة الانصهار المناسبة، فربما كانت الايقونات النحاسية من بين أول العملات. أقدم مناجم النحاس في العالم تيمنا إلى الشمال من خليج العقبة، يُعتقد أن استغلاله الأول بدأ في الألف السادسة أو الخامسةق.م، أي في العصر الحجري الحديث.

إذا كان الفعل لمنجم تيمنا، فالصيت لمناجم النحاس في عُمان، وفيها موقع «رأس الحمراء» من منتصف الألف الرابعق.م. المسوحات الأثرية في عُمان نشطة، وهذا جهد واجب تُشكر عليه لأن تأصيل الكلام يعتقد أن عُمان موطن قوم *أد، ومهد صناعة السفن والملاحة في العالم، ومهد أول الأديان السماوية. في التقارير الرسمية أن تحديد مواقع خبيت (ملفوظ) النحاس كشف بعض أغنى مكامن النحاس الطبيعي، مثل مستوطنة الميسر، ومواقع تنتشر على طول وادي الجزي كالأصيل وعرجا والبيضاء والسياب والواسط ووادي عندام وصحار وركاح ووادي الميادين وطوي عبيلة.[3]

ويعتبر خبراء الآثار في عُمان بقايا موقع سمد الشأن «أقوى دليل» على انتشار أعمال التعدين في عمان في الألف الثالثةق.م. ولا تبدو واضحة تماماً أهميّة وجود مواقع صهر خام النحاس قرب مصادر المياه، إلا إذا اتصل النحاس بالزراعة، أي استخدام أدوات نحاسيّة للحراثة، وربما غير ذلك. وفي تقارير المسوحات الآثرية أن عُمان (مچن/مچان) كانت تشحن سبائك النحاس القرصيّة إلى أور، إضافة إلى «الأحجار الكريمة» وتُقايض في أور بالفضة والزيوت والحبوب والمنسوجات والمصنوعات الجلدية.

Timna – ancient copper mines
Bible Walks

في الألف الثانية ق.م انتقل الاهتمام بتعدين النحاس إلى قبرص، وهذا واضح من اسمها لأن النحاس في اليونانية القديمة «سيبريوم»، تحوّل إلى «كبريوم» ثم قُبرص، وفيها انتقلت الحضارة من عصر النحاس إلى عصر الحديد لكثرة وجوده في الجزيرة في مناجم على السطح أو قريبة منه.

وكانت مصر وبلاد الرافدين أهم مراكز الانتاج في العالم القديم، فيما كان قوم السم أشهر بناة السفن الكبرى، وأخبر الملاحين في أعالي البحار من مركزهم الأصلي القديم في صور عُمان ثم في اختها صور على ساحل البحر الأبيض المتوسط عندما استقرت هناك قبيلة طسم في إثر رحيلها من نجد المنكوبة بفناء قبيلة جديس، أخت طسم.

وكانت حاجة العالم القديم إلى المعادن أعلى من الاشباع، لكن الثروة التي جلبتها التجارة لم تتعاظم إلا عندما صارت التجارة تتضمن الحرير والأحجار الكريمة والتوابل، إضافة إلى واحدة من أقدم السلع هي اللبان والمر وكانت عُمان أهم مناطق انتاجهما. اللبان مادة طبيعية متعددة الاستخدامات فهي تُمضع، وتضاف إلى الطعام، وتحرق لبخّورها ورائحتها الزكيّة، وكانت تستخدم في بعض أنواع الأدوية، فيما المر سيد المضادات الحيوية، كما سُمع. والمواد الأخيرة صغيرة الحجم خفيفة الوزن عاليّة الثمن، لذا مَهّد تعاظم الطلب عليها سبيل صعود فئات من الأثرياء انضمت مع الزمن فئة رابعة في الهرم السلطوي الذي علاه الملوك والكهنة وشيوخ القوم.

هذه، إذاً، ملامح التجارة الدولية في الألفيتين الثالثة والثانيةق.م. هي تجارة متنوعة وضخمة يتطلب تسويقها نقلها إلى الأسواق المناسبة. النقل يتطلب الوسائل البرية والبحرية المناسبة، ووجود الطرق التجارية والأمان. السرّ الكبير في التجارة الدوليّة إلا تكون الدولة التجارية أو المنطقة التجارية آخر محطات الطرق التجارية ما لم تكن عندها مصنوعات أو سلع يحتاجها الناس. أوروبا كانت دائماً آخر المحطات، والامبراطورية الرومانية امبراطورية أوروبية لم يكن عندها ما يحتاجه الناس على طرق العودة لذا مُنيت بعجز تجاري ألفي مع الشرق أفرغ خزائنها من الذهب. عُمان كانت محطة البداية. مكة من أهم محطات الطرق التجارية في العالم القديم، لكنها احتكرت انتاج وتصدير مادة ثمينة لم يكن في مقدور ملايين فتيات ونساء العالم القديم التخلي عنها هي الكحل.

[1]  «كانت أسواق العرب عشرة يجتمعون بها في تجاراتهم، ويجتمع فيها سائر الناس، ويأمنون فيها على دمائهم وأموالهم، فمنها: دومة الجندل، يقوم في شهر ربيع الأول، ورؤساؤها غسان وكلب.
ثم المشقر بهجر يقوم سوقها في جمادى الأولى، تقوم بها بنو تيم رهط المنذر بن ساوى. ثم صحار يقوم في رجب في أول يوم من رجب، ولا يحتاج فيها إلى خفارة، ثم يرتحلون من صحار إلى ريا يعشرهم فيها الجلندي وآل الجلندي. ثم سوق الشحر شحر مهرة، فيقوم سوقها تحت ظل الجبل الذي عليه قبر هود النبي، ولم تكن بها خفارة، وكانت مهرة تقوم بها. ثم سوق عدن يقوم في أول يوم من شهر رمضان ويعشرهم بها الأبناء، ومنها كان يحمل الطيب إلى سائر الآفاق. ثم سوق صنعاء يقوم في النصف من شهر رمضان يعشرهم بها الأبناء. ثم سوق الرابية بحضرموت، ولم يكن يوصل إليها إلا بخفارة لأنها لم تكن أرض مملكة، وكان من عز فيها بز، وكانت كندة تخفر فيها. ثم سوق عكاظ بأعلى نجد يقوم في ذي القعدة، وينزلها قريش وسائر العرب إلا أن أكثرها مضر، وبها كانت مفاخرة العرب، وحمالاتهم، ومهادناتهم. ثم سوق ذي المجاز، وكانت ترتحل من سوق عكاظ وسوق ذي المجاز إلى مكة لحجهم. وكان في العرب قوم يستحلون المظالم إذا حضروا هذه الأسواق، فسموا المحلين، وكان فيهم من ينكر ذلك، وينصب نفسه لنصرة المظلوم» (تاريخ اليعقوبي، ج ١، ص ٢٧٠).

[2]  «إن أول بيت وضع للناس للذى ببكة مباركا وهدى للعالمين» (آل عمران 96).

[3] عمان مكنز حقيقي لتأصيل الكلام. «طوي عبيلة» اسم ملفت في اللفظتين معاً. طوى من *طي ومنها طيء. عبيلة مؤنث ربما كان أصلها عبيل أو «*عب *ال». إذا كانت، كما يظن تأصيل الكلام، فهذا انتساب إلى *عب، وعبعب، التي يعتقد تأصيل الكلام أنها الاسم الأول لمكة، فيما عبعب اسم زمزم الأقدم. عبيل من القبائل العربية القديمة يقال إنها استوطنت مكة. إذا كان في طوي عبيلة النحاس فربما اشتغلت عبيل بنقله إلى مكة عندما صارت سوقاً كبيرة. في عمان أسماء مثل سمايل (سم ال)، أي رب السم (السومريين ثم الكنعانيين)، يبدو.

  • أعلاه قسم من الفصل السابع من كتاب “أصل الأديان” وهو بعنوان “طسم”

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here