آباء البشر: سُم (3)

75
1242
Northern Stelae Park, Aksum, Ethiopia: By JensiS65 https://commons.wikimedia.org/w/index.php?curid=23541143

ليس في الأمم العريقة من عُرف بأسماء تزيد على أسماء أمه السُم التي لا يزال موطنها الأصلي عامراً في شمال الحبشة (اثيوبيا)، المدهش أن تلك ألأسماء جميعاً ليست أسماء اختارها السم لأنفسهم بل أسماء عرفهم بها أبناء وبنات قبيلتي أد (آدم) وعد (عاد) ومنها: سم، شم، سومر (سومريون)، ثمود (سمود)، اكسوم، كنعان (كنعانيون)، فينيقيون، بونيون، قرطاجيون، وهم جميعاً من نسل جدهم الأكبر الذي لا نعرف الاسم الذي عُرف به في عصر الحجر فإنما البشر في عصر الحجر كانوا يحملون أسماء اتصلت بلون بشرتهم أو بتميز في الجسد أو أحد أطرافه وهو في حالة أمة السم أنفهم الصغير المرتفع بانقباض ملحوظ فوق الثفرة.

الممثلة الهندية بريانكا تشوبرا.

ولا يبدو لتأصيل الكلام التطبيقي أن قوم أو أمة أد أو آدم اطلقت على جماعة من المهاجرين من شرق افريقيا اسم أو وصف “سم” تمييزاً خالصاٌ لأن الكلمة كانت في الأصل من كلامهم في عصر الحجر بمجموعة من المعاني التي يمكن اختيار أحدها هنا وهو “الشق أو الثقب الصغير”. وقيل في لعاب الافاعي “سم” لا لأنه مادة قاتلة أو مؤذية بل لأن مصدرها ثقب صغير في سن الأفعي. والفم، إن كان دقيقياً، هو “سم ايضاً” مدّه الناطقون بالعربية القديمة إلى “بسم” وهو بناء ثلاثي سُبّق فيه حرف “باء” على الأصل الثنائي *سم. وحاسة الشم لها الأصل الثنائي نفسه (*سم) قُلبت سينه إلى شين، لأن الانسان وغيره يتنفس من ثقبي الأنف أو الخيشوم. ولفظة “خيشوم” من بناء الثنائي المتوالف يجمع الأصل الثنائي *خأ، ومنه الخباء والخيمة والأخ، والأصل الثنائي الثاني *شم فالبناء هو: *خأ + *شم)، توالف فيه الثنائيان فصار لهما المعنى الحرفي “خواء + تنفش” والمعنى الاصطلاحي “ثقبا الأنف”، وربما عنى الأنف نفسه.

ولأمة السم تاريخ عريق وهم من أول الأمم التي اشتغلت بالتجارة ولمع في أبنائها الابداع والخلق في الفنون والصناعات التي تطلبتها مهاراتهم مثل صناعة السفن وتوابعها، مثل المسامير الخشبية التي استخدموها قبل اكتشاف النحاس ثم الحديد، والآلآت الموسيقية والطرب والسمر، ولكل هذه الاهتمامات والمهارات لفظات معروفة مشتقة من اسمهم، أي سُم أو شًم. ولعل ما تقدم سبب تخصيص ثلاثة مقالات لهذه الأمة المبدعة وسنعود إليها في الحالات التي كان لهم فيها باع أو مساهمة.

كنعان

ويزاد في هذا المقال قرار السم التاريخي في التخلي عن لغتهم الأم نظراً إلى اعتمادها على التراكم اللغوي مقارنة بالعربية القديمة التي اعتمدت على الاشتقال من الأصول الثنائية، واعتناق دين سماوي هو دين جدهم الأصغر سمعل المعروف باسم “اسماعيل” ربه إل أو الله كما في الاسلام. الاسم الذي اختاروه لأنفسهم وقتها هو الاسم الذي لم يستخدموا غيره في باقي تاريخهم المعروف، وهو كنعان والامة كنعانية والافراد كنعانيون وكنعانيات.

«كنع»، لها ترجمة في لسان العرب هذا بعض ما جاء فيها: «أكنع الرجل للشيء: ذلّ له وخضع.» وقيل في ترجمة سلم: «الإِسلام من الشريعة أظهار الخضوع»، فكلا كنع وسلم الخضوع لله، فيما قيل في التفسير: «كل من حج البيت فَنَسَك مناسِك إبراهيم على ملته، فهو حنيف مُسْلم على دين إبراهيم».[1] لكأنَّ الكلام يكاد يقول إن الكنعانيين كانوا على ملة إبراهيم، ولكأنّ إحدى صلصاليات معبد أوغريت تؤكد شيئاً من هذا بذكر مكان مقدس في المفاهيم الدينية الثلاثية: «عرپاتي».

81:7: لا يستطيع تأصيل الكلام قبول معظم الانساب التي ساقها ابن اسحاق لاختلاط عصور مبانيها اللغوية، ففيها أصول ثنائية ومتوالفات ونسائل وسوابق، فهذا ليس التاريخ الصحيح لأسماء الناس لأن اسماءهم من كلامهم والكلام يتبع عصوره. وما يُسمى بالسيرة النبوية المنسوبة لابن اسحاق سيرة مضطربة فكأنها في بعض أقسامها مُقتبسة من نصوص يهودية، وهذا واضح في القسم المعنون: «سبب قتال تبان لأهل المدينة» (1/21). إلا أن هذه القصة تكشف، ربما عن غير قصد، أصل اليهود في اليمن (1/26)، فوجودهم أقرب بكثير مما كان يُظن، أي أنه ترافق مع تهوّد حمير، فهذا تاريخه بداية القرن الميلادي السادس. وفي سيرة ابن هشام 228 ثبتاً لليهود، و94 ثبتاً لقريظة، و53 ثبتاً لبني النضير و345 ثبتاً للخزرج حلفاء قينقاع، ولهذا القبيل اليهودي الثالث 24 ثبتاً، وفيه سلسلة أنسابهم البعيد، فسيرة ابن هشام، ومن ضمنها سيرة ابن اسحاق، سيرة اليهود في المصادر بالعربية بامتياز، ويمكن تصنيفها ثانياً بعد التوراتيات، أو ربما مرآة جزئية لما ساقه الكهنة في الكتب اليهودية، قيل.

واقتضت الرواية الاسلامية التوحيدية ألا تكون هناك رواية توحيدية جاهليّة مع أن معظم كلام الاسلام ابتكار العصور التي سبقته، وليس يُعرف كيف يصح هذا وفي مكة قبل الاسلام الحرم والكعبة والحجر الأسود بعد الدعوة، ومن أسماء الناس «عبد الله» و«علي»، وفي كلام قوم *أد *ال فههنا لفظة الله الواحد الأحد من زمن الحجر. والأسباب معروفة لا حاجة لتكرارها، وهي معروفة في الكثير من الأديان فالبعض أيضاً رأى أن الرواية اليهودية التوحيدية اقتضت ألا تكون هناك رواية كنعانية أو طسميّة بديلة، فليس في سيرة ابن هشام أو سيرة ابن اسحاق المنفصلة شيء مهم عن طسم ( سم) والكنعانيين، ولا يُعرف كيف يُساق اسم اسماعيل (*سم، *عل؛ *سم، *ال) من دون ذكر قوم السم، أو قبيلتهم الأهم طسم. أما المصادر الغربية فواضح في بعضها تماثل بعض المفاهيم الدينية والحضارية بين الكنعانيين والبابليين، ومن كلام السومريين والكنعانيين والبابليين بعض كلام الدين الحرج في القرآن.

طسم، مكة

تولّت طسم تسيير شؤون مكة، شأنها في ذلك شأن أكبر القبائل في جزيرة العرب، لذا يمكن اعتبار طسم أهم قبائل الكنعانيين في جزيرة العرب. لكن السم انتشروا في عدد من مناطق العالم القديم، ووجودهم في جنوب العراق مخلد تخليداً لا يقبل الشك، ومثله وجودهم في فلسطين وغرب سورية وغيرها. لذا، يمكن افتراض وجود اختلاف مهم في المفاهيم الدينية لأمّة السم، سواء كانوا من قبيلة طسم أو ممن استوطن عُمان أو جنوب العراق أو قرطاجة أو أوغريت، وغيرها.

وهذا معروف كله في المصادر التاريخية لكن ما يمكن إضافته هو أن الكنعانيين لا يمثّلون أمّة السم كلها لأن هذه الأمّة لم تتحد في تاريخها. حتى عندما انتقلت أعداد كبيرة من السم برفقة الأموريين إلى فلسطين وسورية في منتصف الألفيّة الثالثة قبل الميلاد واستوطنوا أقساماً مهمة من البلدين لم يكن لهم كياني سياسي متحد فصار لكل مدينة مهمة ملكها، وصار معظم الملوك ينافسون بعضهم البعض وصار بعضهم يطلب مساعدة الفراعنة للتغلب على الملوك الآخرين أو وقف محاولتهم الاستيلاء على ملكه. وليست فلسطين بالحالة الوحيدة لأن الوضع في جنوب العراق لم يختلف كثيراً، فقامت هناك دول المدن السومرية التي حارب بعضها الآخر فأنكهت قواها مما شجع الأقوام إلى شرقهم على غزوهم، مثل الغوطيان الذين حكموا سومر بين 2218-2047ق.م. واستعاد السومريون ملكهم لكنهم لم يتمكّنوا من المحافظة عليه طويلاً فغزى قوم من شرق العراق مدينة أور سنة 1940ق.م وخرّبوها.

وواكب انهيار قوة السومريين وتلاشي نفوذهم صعود قوة جديدة جاءت من الغرب هم الأموريون. في بعض الوثائق السومرية أن العلاقة بين السومريين والأموريين كانت جيدة، ومد السومريون الأموريين بالعربات العسكرية والأسلحة، ولحق ذلك اتحاد الشعبين وتقلص استخدام اللغة السومرية فانحصر الاشتغال بها بالأعمال الأدبية والنصوص الدينية والشعائرية، واتجه الناس جميعاً إلى الآكادية التي صارت وعاء الكثير من اللفظات السومرية واكتسبت من لغة السمر الخصائص اللغوية التي اعتبرها لغويون مهمة.

وربما قيل إن قوة السومريين في جنوب العراق لم تكن قادرة على وقف تقدم الأموريين في أراضيهم فاختار قسم مهم منهم الاتحاد مع حلفائهم التقليديين من قوم *أد، وربما قيل إن الدعم العسكري الذي قدمه السومريون للأموريين كان مهماً في تحقيق الانتصارات العسكرية التي توّجها أمورأبي بإقامة الامبراطورية البابلية الأمورية، ولم يمض وقت طويل حتى بان الفرق الهائل بين هذه الامبراطورية الفتيّة والامبراطوريات التي قامت قبلها أو بعدها.

قانون أمورأبي ليس دعاية سياسية أطلقها البابليون بل برنامج عمل. وبعض المؤرخين يقسّمون التاريخ إلى عصرين: العصر الذي حكمت فيه شياطين ملوك الانس الناس قبل صعود الأمبراطورية البابلية، وعصر هذه الأمبراطورية التي انتمت إلى مر بن أد زعيم الأموريين. معظم الآلهة الأهم بقيت في معابد بلاد الرافدين، لكن اسم الله (*ال) صار يتكرر في الصلصاليات، وصار *ال في أسماء بعض ملوك بابل التي كانت أعظم مدينة في العالم، وأهم مراكز الأديان والثقافة والأدب والاختلاط والسماحة الدينية، فهذه من مواصفات «المدن العالمية»، لذا ربما قيل إن بابل أول المدن العالمية في التاريخ.

مسرح استعراب اسماعيل وقومه مكة التي حكمتها قبيلة طسم دهراً غير معروف، لكن بعض شخوص بلاد الرافدين كانت حاضرة. ما ليس بواضح دور اسماعيل. هل كان يمثل أمّة السم جميعاً أم طسم، أم طسم وشقيقات لها في أماكن أخرى؟ هل مُهد لهذا الاستعراب الذي قيل إن مسرحه مكة في بلاد الرافدين، أم أنه بدأ هناك؟ اندماج السومريين والأموريين في بلاد الرافدين لم يكن نتيجة حرب أو استسلام عسكري، فهل شمل الاندماج بعض المفاهيم الدينية التي انتقلت إلى الاسلام؟

والكنعانيون؟ هل اقتصر الاسم على طسم أم شمل غيرها من القبائل؟ ابراهيم ينتمي، كما قيل، إلى المنطقة الجغرافية التي أقام فيها السومريون والأموريون، فهل كان من زعماء الأموريين فانتسب، مثل غيره، إلى الجد الأكبر *أد؟

 عالية الحبشة

أصل قوم السم من عالية الحبشة، ولهم فيها مملكة معروفة عاصمتها أكسُم، أي أكمة السُم، وهم من عرق غاية في التميّز والابتكار تنتمي إليه ملة الصومال، (*سم، *مل، والصاد لغة)، ومثلها «أسمرة»، فهي أيضاً من سُم. السُمر هم السم، لا فرق، وهم السُمّار، لأنهم من مبتكري بعض أقدم آلات العزف الوترية في التاريخ، وهم السومريون والصيدانيون والصوريون والسموديون (ثمود) والچواسم والجواسم والقواسم والطواسم والكنعانيون والفينيقيون والقرطاجيون والبونيون.

سلامة الخلق في أيام عد تفادي إغضاب هذه القبيلة الضخمة. إذ غضبت على قوم لسبب فليس لهذا القوم خيار سوى الهروب في أقرب فرصة ممكنة. من المُستبعد، لذلك، أن يتصوّر المؤرخ أن قوم السم حلّوا في بلاد عد في جنوب جزيرة العرب من دون موافقة قوم عد. في الاستنتاج ثلاثة احتمالات:

1- تسبّب الصدام بين قومي عد و*أد وفرار كثيرين من قوم *أد شمالاً بتفريغ أجزاء مهمة من جنوب جزيرة العرب فاستقدمت عد جماعات من السم للحلول محلهم،

2- يمكن الافتراض أن قوم السم اشتغلوا بالزراعة في جنوب جزيرة العرب لكن مهاراتهم الأهم شملت الصناعة والملاحة والتعدين، فهذه، وغيرها، من النشاطات التي جلبها العصر الزراعي الذي كان أساسياً في تطوّر العصر التجاري الذي أبدع فيه قوم السم، وصار لهذه المهارات عند قوم عد حاجة فاستقدموا جماعات وجماعات من السم للمساهمة في إدارة تجارتهم والسيطرة على الانتاج ووسائله وأهمه في تلك الفترة اللبان وكانت أشجاره في المناطق التي سيطر عليها قوم أد فلعل هذا من أسباب تأجيج حالة الصدام مع أد وقبائله.

3- الاحتمالان الأول والثاني معاً.

 وليس من أحد يعرف مواطن السم في جزيرة العرب بالتحديد. رحيل بعض السم مع چد وحيّه إلى نجد يمكن أن يعني أن بعض السم كانوا يعيشون في منطقة الحي أو منطقة قريبة منه. وجودهم في مناطق عُمان وامتداد هذه المناطق غرباً، ثم ما يُعرف باسم ساحل عُمان قوي ولهم في هذه المناطق مراكز تحمل اسمهم، ومنها بدأوا ينتشرون في بعض سواحل الخليج الشرقيّة وجزيرة البحرين، ثم جنوب العراق.

والظاهر أن جماعات من السم استخدمت قوارب الخوص المجدول للوصول إلى جنوب العراق، وأقامت هناك ورشات صغيرة لصناعة الفخاريات وربما لانتاج الخمر من التمر الكثير في المنطقة، فهذا، كما يبدو لتأصيل الكلام، من أول نشاطاتهم. ومع الزمن نشطت التجارة فاقتضى نقل البضائع تطوير القوارب الكبيرة ثم السفن، وصارت صور (صرّ) عُمان أول حوض جاف في التاريخ تخصص بصناعة السفن. ويحمل ميناء شهير في ظفار عُمان («سمهرم») اسم القوم، وتوجد نقوش تشير إلى أن بعض السفن المصرية كانت ترسو فيه حاملة بضائع ومصنوعات مصرية، وكانت تعود وعليها اللبان والمر وربما سبائك النحاس. [2]

لو نظر الباحث سمهرم لوجده من مبنى الثنائي المتوالف، شطره الأول يحمل اسم السم، والثاني هرم، أصله *هر، أي «سمهر». وتنتمي *هر إلى فصيلة لغوية دينية حرجة رههر، و«هرم»، أو القديم والعتيق، من الصفات التي أطلقها بعض الناس في الزمان القديم على الله.

هل كان مفهوم هرم الإلهي من المفاهيم التي نادى بها چد، ليقول إن الله سبق بعض الآلهة التي عرفها كثيرون من أهل اليمن مثل الشمس، ومنها انتقلت، كما يبدو، إلى بلاد آشور في العراق؟ هل كان الصدام بين چد وقبيلته لأسباب دينية غالبة أم لأسباب أخرى اتصلت بهمينة بعض زعماء عد على القبيلة؟

هذا جزء مهم من تاريخ جزيرة العرب غامض، لكن المعروف أن الصدام أدى إلى التغريبة في نجد. الواقعة هذه، كما يبدو لتأصيل الكلام، من عصر الكلام الثنائي، ولما حل منتصف العصر الزراعي رَحّل القومان اسميهما إلى الثلاثي فأضاف قوم چد حرفاً بعد اسمهم وصاروا يُعرفون بعد ذلك باسم جدس (چد+س، وهي نسيلة)، ثم جديس. وفعل السم مثلهم فسبّقوا اسمهم بحرف الطاء، فصاروا يُعرفون باسم طسم (وهي سابقة ثلاثية)، فهذا، كما يعتقد تأصيل الكلام، أول تاريخ القبيلتين الشهيرتين في نچد (نجد) أو نـچد.

وكان تآخي قبيلتي جديس وطسم بعد النزوح سبب نجاحهم في مشروع غّير العالم، هو تطوير الزراعة، ومشروع متصل به هو استئناس الطير ثم جنس من الخراف النجدية بذنب. والظاهر أن علو شأن القبيلتين واشتغالهما في الانتاج والتجارة وتسيير شؤون مكة أثار خوف عد من المنافسة، فتحيّنت الفرص، فلما اختلفت القبيلتان، تحرك حسان بن تبع بجيش وهاجم جديس في جو اليمامة وقتل رجالها وسبى أولادهم ونساءهم. [3]

ويبدو أن طسم هجرت نجد بعد المذبحة الجديدة، ولم يعد أهل الجزيرة يعرفون مصيرهم. وكان بعض الناس يقول: «ما أدري أين طسم ولا أين طمس بمعنى أين ذهب». ولطسم مطلب في لسان العرب فيه:

  1. طسم الشيءُ والطريق، وطمس يطسم طسوماً: درس؛
  2. طسم الطريق مثل طمس على القلب (لا يوجد قلب هنا فالكلمتان مختلفتان في اللفظ لكن وجد بعض الناس اشتراكاً لهما في المعنى لأن طمس من *طم، وهي في المحكيّات الطمر والدفن لكن أصلها بالتاء من النواة الثنائي *تم، فيما جهل الناس أين ذهبت طسم فغيّبوها كما يُغيب المدفون)؛
  3. الطّواسيمُ والطّواسينُ: سُورٌ في القرآن جُمعت على غير قياس؛
  4. في حديث مكة وسُكّانها: طسم وجديس، وهما قوم من أهل الزمان الأوّل، وقىل طسم حيّ من عادٍ (الصواب أن جديس حي من عاد لكن طسم من قوم السم، وزعم بعض جماعة الكلام إن طسم حي من العرب انقرضوا).

إذا قُصد بالقول «انقرضوا» ماتوا، فهذا صحيح لأن الناس يموتون، لكن طسم لم تنقرض، والظاهر أنها رحلت مع قبيلة مُر بن أدد (أد وايضاً آدم) إلى الشام نحو منتصف الألفيّة الثالثةق.م وأقامت في صيدا وصور قاعدة تجارية وصناعية، ثم امتد حكمها فشمل مناطق كثيرة من الساحل الغربي للشام، ومناطق داخلية مثل القدس ونابلس. ومن بلادهم الجديدة صار الكنعانيون يشحنون بضائع مصر وآشور وبابل وسلع كثيرة من انتاجهم إلى باقي سواحل البحر الأبيض المتوسط، فأسسوا المدن الكثيرة التي عمّرت فهي اليوم من أهم المدن، ونقلوا إلى الشعوب حضارتهم وأبجديتهم التي وضعوها مساهمة مع أختهم جديس فَخَلقُ الله مديْن لهاتين القبيلتين بالكثير من أركان الحضارة الانسانية.

من المعروف أن فارس ومصر والمنطقة التي أطلق عليها المؤرخ اليوناني القديم هيرودوتس اسم «بلاد العرب» (Arabia)، بالإضافة إلى اليونان، كانت أهم الدول التي هيمنت على عالم المؤرخ القديم، فهو يذكر فارس 514 مرة تليها مصر (500)، فيما افسح لذكر العرب أو جزيرتهم مساحة معتبرة في 51 موقعاً. وفي كتاب هيرودوتس معلومات لا يتوقعها الباحث، منها إشارته إلى الضأن المشهور تاريخياً والمعروف بالنجدي. ويُدرج هذا المؤرخ الفطن عدداً ضخماً من المعلومات عن أصل الشعوب وعاداتهم وما تميّزوا به، ويصف جغرافية كل منطقة وكأنه أقام فيها. ومع ذلك لم يشر هيرودوتس إلى وجود اليهود أو العبرانيين بكلمة واضحة واحدة.

وكان الكنعانيون في زمن هذا المؤرخ الطريف أمة تجارية مسالمة، ولم تكن لهم طاقة بمقارعة مراكز القوى السائدة في العالم القديم، لذا ارتضوا لأنفسهم طوعاً دورهم التجاري مما اقتضى المحافظة على علاقات طيبة مع الجميع، واعتماد سياسة تقوم على السلام والمصالحة لأن هذين المطلبين من المطالب الحاسمة في العمل التجاري، ومن أهم عوامل استمراره. مع ذلك اقتضى حصر الكنعانيين جل اهتمامهم وتركيزهم بالتجارة بناء الأساطيل البحرية التجارية الكبيرة وتطوير التقنيات الملاحية باستمرار. وهكذا أصبحت كنعان مع الزمن قوة بحرية عظمى خصوصاً أن آشور ومصر، كانتا تسيّران السفن لكنهما ليستا من الأمم البحرية، ومثلهما، في ألفيّة لاحقة، فارس والهند.

ونقلت هذه الدراسة عن بعض تآليف المنقول حكاية أصل الخلاف بين جديس وطسم فوجب التفريق بين الحكاية والتاريخ. إذا كان في تاريخ العرب غموض فهو غموض الحكايات لا غموض التاريخ. ما نقله الطبري وابن خلدون عن طسم وجديس وباقي العاربة فيه جانب كبير من الصورة التاريخية الحقيقية التي يمكن التحقّق منها من نتائج تحليل أعمال التنقيب عن الآثار في مواقع على سواحل البحر الأبيض المتوسط.

============

[1] – القول في تأويل قوله تعالى: (بل ملة إبراهيم حنيفا – البقرة 135)، الملة: الدين. وأما الحنيف: فإنه المستقيم من كل شيء. وقد قيل: إن الرجل الذي تقبل إحدى قدميه على الأخرى إنما قيل له أحنف نظرا له إلى السلامة، كما قيل للمهلكة من البلاد: المفازة، بمعنى الفوز بالنجاة منها والسلامة … وما أشبه ذلك. فمعنى الكلام إذا: قل يا محمد بل نتبع ملة إبراهيم مستقيما. فيكون الحنيف حينئذٍ حالا من إبراهيم. وأما أهل التأويل فإنهم اختلفوا في تأويل ذلك، فقال بعضهم: الحنيف: الحاج. وقيل: إنما سمي دين إبراهيم الإسلام الحنيفية، لأنه أول إمام لزم العباد الذين كانوا في عصره والذين جاءوا بعده إلى يوم القيامة اتباعه في مناسك الحج، والائتمام به فيه. قالوا: فكل من حج البيت فنسك مناسك إبراهيم على ملته، فهو حنيف مسلم على دين إبراهيم.

[2] – الملفت أن لفظة «مجن» التي يُقال إنها تعني أرض النحاس أو أرض عُمان تعني أيضاً ما يُعطى مجاناً: مچان magannu: هدية، تقدمة، بلا مقابل (inamagannu / immagāni)؛ مچنوت magannūtu: مُهداة، مُعطاة، تقدمة. والملفت أن لهذه اللفظة ترحيل في الآكادية بالكاف: مكنوت makannūtu ولها المعنى نفسه للفظة الأصليّة magannūtu. لكن ليُنتبه إلى أن لفظة «مكان» من أصل ثنائي آخر هو *كن، فالمكان والمكن والمكين منها، وهي سابقة ثلاثية لهذا الأصل الثنائي العريق.

ولا يعني تماثل اللفظ في هذه الحالة تماثل المعاني فسبب اختلاف المعاني وجود أصلين ثنائيين مختلفين للفظة مچنّ magannu، الأول *چن، وهو أصل معنى نحاس ذلك أن النحاس مادة مطمورة في الأرض أو خفية عن العيون ولهذا قيل “جنة” لأنها مكان خفي عن عيون الناس. كما في الكلام “جن الليل”، أي أَظْلَمَ واِشْتَدَّ ظَلاَمُهُ فخفي عن النظر، مثله مثل معدن النحاس. وفي الكلام أيضاً *مچ ومن معانيه المجموعة أو الكثير، لذا يبدو أن أصل معنى الشيء المجاني الشيء الذي كان مُتاحاً للناس جميعاً أو لمجموعة بعينها.

المُلفت أيضاً أن  لچن liginnu تعني الصاع في محكيّة فلسطين أو الوعاء المقعّر للغسيل، فيقال: «لچن الغسيل أو العجين»، وهي تلفظ بالجيم المثلثة وتبدو سابقة ثلاثية للفظة *چن. وفي الآكادية: لچن: لوح كتابة من عمود واحد، لوح مسودة للتلاميذ، وظيفة مدرسية [qabû liginni] قبو لجنّي: أعمال ووظائف في المدرسة. ومشهور القول: قَلَبَ فلانٌ مِجَنَّهُ: أي أَسقطَ الحياءَ وفعلَ ما شاءَ فكأنه كشف للعيون ما أخفاه الذوق والخلق الحسن.

أما أصل اسم عُمان فيبدو أن أصله “أُم (أوم)”، وربما منه معبد أوام (أوم) في اليمن، وقلب الهمزة عيناً والعين همزة معروف في الكلام إلا أن تأصيل الكلام التطبيقي يقترح أن الاسم ربما كان تطويراً معبدياً للفظة أصلها *أچ.

[3]  قيلت في مصير جديس حكاية رواها ابن بري: «كان الملك على طسم رجلاً يقال له عملوق أو عمليق، وكان لا تزف امرأة من جديس حتى يُؤتى بها إليه فيكون هو المفتض لها أولاً. وجديس هي أخت طسم. ثم إن عفيرة بنت عفار، وهي من سادات جديس، زُفّت إلى بعلها فأتي بها إلى عمليق فنال منها ما نال، فخرجت رافعة صوتها شاقة جيبها كاشفة قبلها وهي تقول: لا أحد أذل من جديس أهكذا يفعل بالعروس؟ فلما سمعوا ذلك عظم عليهم واشتد غضبهم ومضى بعضهم إلى بعض. ثم إن أخا عفيرة، وهو الأسود ابن عفار، صنع طعاماً لعرس أخته عفيرة، ومضى إلى عمليق يسأله أن يحضر طعامه، فأجابه وحضر هو وأقاربه وأعيان قومه، فلما مدوا أيديهم إلى الطعام غدرت بهم جديس فقتل كل من حضر الطعام، ولم يفلت منهم أحد إلا رجل يقال له رياح بن مرة توجه حتى أتى حسان بن تبع فاستجاشه عليهم ورغّبه فيما عندهم من النعم، وذكر أن عندهم امرأة يقال لها عنز ما رأى الناظرون لها شبهاً. وكانت طسم وجديس بجو اليمامة، فأطاعه حسان وخرج هو ومن عنده حتى أتوا جوا، وكان بها زرقاء اليمامة، وكانت أعلمتهم بجيش حسان من قبل أن يأتي بثلاثة أيام، فأوقع بجديس وقتلهم وسبى أولادهم ونساءهم، وقلع عيني زرقاء وقتلها» (لسان العرب، عنز).

القسم الأول على هذا الرابــــــط

القسم الثاني على هذا الرابــط

آباء البشر: سُم (2)