أديان التاريخ وتاريخ الأديان (1)

0
144
The Assyrian Empire - imninalu.net

لعل من الممكن القول إن تاريخ البشرية هو تاريخ الأديان لأن البشر عرفوا الأديان في بداية وعيهم إلا أن تاريخ الأديان في عهد مأسسى الأديان ليس تاريخ البشرية وربما استحالت الموافقة بين التاريخين ذلك أن التاريخ الحقيقي للبشرية ليس في كتبها وإنما في كلامها فيما كلام الأديان ليس دائماً كلام الناطقين فربما كان كلام فئات من الكهنة عُرفوا منذ عصر الحجر بأسماء مختلفة وكان لهم دور فاعل في تطور المفاهيم والعادات قبل نهوض أديان المأسسة التي وقف على رأسها زعماء القبائل الذين صاروا ملوك الزمان ووضعوا أسس التحالف المعروف بينهم وبين الكهنة الذين صار بعضهم ملوك الأزمنة بعد رعيل الملوك الأول.

إن أهم الكتب والقصائد القديمة تكاد تكون “أطروحات” دينية أعاد الكهنة فيها كتابة التاريخ بالصور التي تناسب رسائلهم باستخدام لغة الناس بالصورة التي تناسب شخوصهم قبل حلول زمن آخر رفع الكهنة فيه معرفة الكلام من الناطقين به إلى الآلهة التي نطقوا باسمها، وكثيرون اليوم يعتقدون أن لغات البشر عطية من الله فيما هي في الواقع عطية الأجداد نقل الكهنة ملكيتها من الناس بلا إذن أو استشارة.

إن الكلام في العموم ليس بعيداً اليوم عن أصوله في عصر الحجر إلا أن رفع الكلام من حناجر الناس وتفكيرهم إلى الآلهة اقتضى إغفال الأصول، ثم توالت أجيال الكهنة فصار منهم من لا يعرف أصول الكلام فاختلط عليه حتى أن معظمهم لا يعرفون أصل أول كلام الأديان مثل “الله” و”الدين” و”التسبيح” و”عرفات”، وغير هذه الكلمات الأساسية المئات.

وهذا هو حال الكلام اليوم.

Front of the throne base of Shalmaneser III of Assyria, showing the Assyrian king and Marduk-zakir-šumi I of Babylon shaking hands in a public display of Assyro-Babylonian friendship. From Kalhu. Iraq Museum, IM 65574. Reproduced from M. E. L. Mallowan, Nimrud and its remains, London 1966, vol. 2, 447 fig. 371d. .

1:0:1  للمسيحية والاسلام واليهودية رب واحد هو «الله» يكرره أكثر من ثلاثة بلايين إنسان يدينون بالأديان الثلاثة المعروفة بـ«السماوية» بلايين المرات يومياً. ويَردُ اسم الله في كتاب العهدين أكثر من 2200 مرة، وفي القرآن أكثر من 1700 مرة، وفي المكتبات والبيوت عشرات الملايين من الكتب والمراجع الدينية باللغات الرئيسية كافة فيها اسم الله بمئات الألوف، ويدر البحث في الانترنت عن الكلمة أكثر من 200 مليون إشارة، لكن ليس من أحد يعرف أصل هذه الكلمة ومن أخرجها للناس ومتى. وللأديان الثلاثة أصل ديني مشترك في ابراهيم الذي يَردُ اسمه في كتاب العهدين نحو 240 مرة، وفي القرآن أكثر من خمسين، ومع ذلك لا يوجد خارج التآليف الإيمانية اتفاق واضح على موطن ابراهيم أو عرقِه أو لغته أو العصر الذي عاش فيه بالتحديد.

ويزعم بعض المسلمين أنَّ الملائكة بَنَت الكعبة قبل آدم، وأنَّ مكة أصل قرى الأرض جميعاً، لكن لا يوجد لمكة تخليد وثائقي أكيد قبل القرن الميلادي الثاني أو الثالث. أما الإيمانيون اليهود والمسيحيون فيزعمون أن أول الكتب اليهودية سبق اعتماد النسخة الكاملة الأولى من العهد الأقدم في نحو 200 ق.م بـ«ألوف السنين»، لكن معظم الباحثين في تاريخ الأديان يعتقدون أن وضع معظم الكتب تلك تحقق في بابل إبان العصر الفارسي بين 538-332ق.م، وأنَّ أقدم نسخة يونانية دارجة من العهد الأقدم لا تسبق القرن الميلادي الرابع، وهو القرن الذي بدأت فيه المسيحية انتشارها الكبير، وربما انطبق على الانتشار حالة معروفة: «الناس على دين ملوكها».

وللأديان الثلاثة في معظم المصادر البحثيّة والايمانية المُتاحة مواطنة في أور وكوثى وبابل والقدس وبيت لحم والناصرة وشكيم ومكة، وغيرها من المواضع التي يرد اسمها في كتاب العهدين الأقدم والجديد، والقرآن، فيما تُحدّد المصادر عصرها بمرحلة زمنية تقريبية شغلت نحو ألف ومئة سنة بين منتصف الألفيّة الأولى التي سبقت الميلاد، ونهاية الثلث الأول من القرن الميلادي السابع. ولبعض روايات الكتب الثلاثة بدايات واكبت زمان خلق السماوات والأرض، ولبعض تفاسير القرآن روايات في الزمان الذي سبق الزمان، فيما النطاق الأرضي للكتب الثلاثة شبه جزيرة العرب، ومصر القديمة، والامتدادات الجغرافية القريبة من هاتين المنطقتين الرئيسيتين، بما يشمل شرق العراق، وشمال سورية، وجنوب مصر، ومناطق مُتاخمة أخرى اقترحت هذه الدراسة لجملتها، بقصد الاحاطة وتلافي التكرار، اسم «بلاد الأديان».

وظل كتاب العهدين المصدر البحثي والايماني لنصوص مرويّاته أكثر من ألف عام إلى أن أخرج عصر النهضة الأوروبي عدداً من الباحثين الذين بدأوا محاولة لتحديد أسباب التناقض في بعض نصوص التوراة، منها فقرتان يتكرر ذكرهما في كتب تاريخ الأديان: «فمات هناك موسى عبد الرب في ارض مواب حسب قول الرب؛ ودفنه في الجواء في ارض مواب مقابل بيت فغور ولم يعرف انسان قبره الى هذا اليوم» (التثنية 5:34، 6:34). الاستنتاج هنا أن كاتب هذا النص ليس موسى، وإنما تأليفٌ بعد موته في زمن لا تحديد له.

المثال الثاني في سفر التكوين 12:6«واجتاز ابرام في الارض الى مكان شكيم الى بلوطة مورة وكان الكنعانيون حينئذ في الارض»، فهمه أحد الكتّاب في القرن السابع عشر (توماس هوبس) أنه يعني ضمناً أن مؤلّف هذا النص كان يعيش في فترة زمنية لاحقة على خروج الكنعانيين من أرض فلسطين إلى قرطاج، أي بعد انتصار كوروش، المشهور بالعظيم أو الأعظم، على البابليين عام 539ق.م، واحتلال بابل وكنعان، التي كانت تضم مناطق في لبنان وفلسطين وغرب سورية.

وكان الأوثق بمعرفة هذه التناقضات أساتذة اللاهوتيات العهديّة ومنهم الالماني يوليوس فيلهاوزن الذي نشر عام 1878 تحقيقاً حرجاً في تاريخ كتب التوراة نَظّره أن موسى ليس صاحب كتب التوراة، وإنما هي في الأصل روايات منقولة من تراث قَبَلي محفوظ، جمعها مؤلفون مختلفون في وقت لحق بـ«الرواية الموسوية». وقدّر فيلهاوزن أن أصل أقدم الروايات في التوراة ربما كُتب في مكان غير معروف نحو 950ق.م، وأحدثها كُتب في بابل نحو 500ق.م. ونشر فيلهاوزن تحديثاً لكتابه عام 1883بعنوان مقدمة في تاريخ إسرائيل ظل النموذج الأهم في الدراسات التوراتيّة حتى الربع الأخير من القرن العشرين عندما بدأ عدد من الباحثين نشر مجموعة من الدراسات النقدية اقترحت أن بعض النصوص التوراتية أحدث حتى من التاريخ الذي حدده فيلهاوزن.

وواكب هذا المسار البحثي في أصول العهد الأقدم مسار مختلف اعتمد نتائج المسوحات الأثرية في مدن جنوب بلاد الرافدين اعتباراً من منتصف القرن التاسع عشر. وكان من أبرز النتائج خرق تاريخي تحقق في نينوى سنة 1872 باكتشاف الصلصالية الحادية عشرة من ملحمة چلچامش التي تتضمن رواية الطوفان التي سبقت الرواية التوراتية بنحو ألف سنة، واكتشاف مسلة قانون أمورأبي سنة 1901 الذي سبق أقدم النصوص التوراتية بأكثر من 700 سنة على الأقل. وتقدّم الاكتشاف الأخير بنحو ستين سنة كتاب أصل الأنواع (1859)، وعدداً من الدراسات الجيولوجية التي أثبتت أن عمر الأرض أقدم ببلايين السنين من التاريخ المُحدد في التزمين التوراتي الذي اعتمد سجل الملوك السومري أساساً للتأريخ الايماني.

2:0:1  لا يوجد مقياس نظري يُمكن اعتماده لتقدير تأثير نظريات أصل الأديان والاكتشافات الأثرية في القناعات الدينية السائرة وإنما يمكن القول إن بعض المؤمنين كانوا أكثر تأثّراً من غيرهم، فيما تمكّنت الكنيسة، في العموم، من تجاوز المضاعفات الأخطر للنظريات والاكتشافات الأثريّة. ولا يمكن القول إن أياً من النظريات والاكتشافات الأثرية كان بمثابة «زلزال» هدم أعمدة الأديان، إلا أنه من الممكن الزعم أنها كانت أقرب إلى عامل الحت الطبيعي الذي حرم الكنيسة من القدرة الأسبق على المبادرة، فتحيّنت فرصة استردادها. وربما تحقق شيء من هذا الهدف خلال مرحلة صعبة عصفت بأوروبا، وبعض مناطق العالم الأخرى، اعتباراً من نشوب الحرب الفرنسية البروسية (1870-1871) التي استولدت الامبراطورية الألمانيّة على ما بقي من حطام الامبراطورية الفرنسيّة. إلا أن وجود العملاق الألماني الجديد في الساحة الأوروبية أخلّ بالتوازنات التاريخية، وربما قيل إن المنافسة الألمانية لعبت دوراً مهماً في نشوب الحرب العالمية الأولى، فيما نمت في الأرض الخراب للحرب الأولى بذور الحرب العالمية الثانية.

وبحلول السلام بعد الحرب بدأت أهميّة الكنيسة في الانحسار، وعاد الباحثون إلى دراساتهم التي انضجت الاعتقاد أن الأعمدة التي أقام عليها الكهنة اليهود تاريخ إسرائيل أعمدة «روائية» رخوة ليس لها في أرض الواقع الأساسات الطبيعية التي تزعم نصوص الكتب اليهودية وجودها. وفي نهاية التسعينات من القرن العشرين خَلُص عدد من الباحثين الأوروبيين إلى أن رواية الخروج التوراتية من مصر ليس لها ما يؤكّدها على أرض مصر وسيناء، وأن رواية السبي البابلي جزء من المرحلة الاسرائيلية-الفارسية.

وقيل إن لبعض الروايات التوراتية أصول في التراث القَبَلي المحفوظ قبل تأليف التوراة، فما هي طبيعة هذه الأصول؟ من هم أصحابها، وما هو زمانها المُحتمل، وكيف اتيحت للكهنة اليهود المادة التي استُخدمت لبناء اليهودية، وهل في المراجع المُتاحة أصول الروايات اليهودية التي يمكن استخدامها للمقارنة؟

إنَّ الاجابة عن أسئلة كهذه، وغيرها، أصل دراسة تأصيليّة لغوية بدأت قبل نحو عقدين تبيّن في مرحلة متقدمة من نضوجها أن للأديان أصول سبقت عصر ما اتفق بعض الباحثين على تسميته «الأديان السماوية» بألوف السنين، وأنّ المفاهيم الدينية البدائية تطوّرت في مواطن الانسان الحديث في افريقيا قبل بداية أعظم رحلة في تاريخ الانسان في عصر يُعتقد الآن أنه سبق العصر السائر بنحو 60-40 ألف سنة مقارنة بتقديرات أسبق زادت التقدير بنحو 20 ألف سنة.

هي مفاهيم أوليّة اتصل بعضها بمحاولة تحديد أصل خلق الانسان، فيما كان لبعض المفاهيم الدينية-الاجتماعية ارتباط بالمجاعات والأمراض، وباحتفال الأسر الأولى بولادة طفل جديد، أو اجتماع فتى وفتاة في عقد اجتماعي ملزم، أو بشكر طريدة على منح نفسها طعاماً للجائعين، أو الثناء على شاب تمكّن من إنقاذ أم وأولادها من سبع تسلل وراءها وهي تغسل أطفالها في عين الماء قبل لحظة الانقضاض. هذه حالات مُفترضة تُجمع إلى حالات مشابهة أخرى لا تختلف كثيراً عن حالات كثيرة يلجأ الانسان المعاصر فيها إلى الله أو إلى مشاعره الايمانية لاستمداد القوة التي تعينه على التعامل مع المصائب والأزمات التي تواكب معظم سنوات حياته، أو إلى التعبير عن الامتنان في الحالات الباقية الأقل عددا.

إذا كان عمر أقدم المفاهيم الطقوسية المؤكّدة بالتزمين الكربوني نحو 70 ألف سنة، فإنَّ زمان كتاب مثل التوراة في عمر إنساني من أربع وعشرين ساعة، هو الساعة الثالثة والعشرون. سبقت هذه المفاهيم بثلاثة أو أربعة آلاف سنة أديان جمعت بعض المفاهيم «السماوية» وبعض المفاهيم «الأرضية» في «مؤسسات» دينية سومرية طوّرت الكثير من المفاهيم التي انتقلت إلى «الأديان السماوية» كما هي في حالات، أو مُعدّلة في حالات، أو مزيدة في الحالات الباقية بمجموعة من الأحكام والوصايا يمكن تصنيفها إلى «متشابهات» و«مختلفات» و«مزيدات».

ويبدو، في حالات معيّنة، أنَّ «المزيدات» كانت لأهداف أهمها استيعاب المطالب والطموحات التي اعتبرها الكهنة أساسية في مرحلة مفصليّة، فمنحوها مكانة مهمة في الكتب التي أخرجوها في نهج معروف في الأديان «الناضجة» التي ظهرت في بلاد الرافدين منذ نحو سبعة آلاف سنة. ويبدو أن كهنة اليهودية كانوا في موقع تاريخي ومكاني فريد ساعدهم على صياغة نصوص معيّنة اعتماداً على بعض النصوص السومرية والآكادية المتُاحة في عاصمة الامبراطورية البابلية. إلا أنَّ هذه الدراسة ستزعم أن لبعض النصوص تلك أصول أقدم حتى من ملحمتي جلجامش و«أتراحسيس» في *وچ (الطائف) و*مچ (مكة) ومواطن *أد (أدم/آدم) في الجنوب الشرقي من جزيرة العرب.

يتبع… أديان التاريخ وتاريخ الأديان (2)

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here