أديان التاريخ وتاريخ الأديان (5)

0
1057
Fragment of a limestone stela of Djiho (Djedher), the God's Father of Min. Ptolemaic, 27th Dynasty. From Egypt. The Petrie Museum of Egyptian Archaeology, London By Osama Shukir Muhammed Amin FRCP(Glasg) - Own work, CC BY-SA 4.0, https://commons.wikimedia.org/w/index.php?

6:0:1  لتأصيل الكلام الاستثناءات التي يعرفها الباحثون في العلوم كافة، لكن القاعدة واضحة: إذا كان للشيء في معارف البشر الطبيعية والاعتبارية وجود فله في كلامهم وجود. إذا لم يكن له في كلامهم وجود فالأرجح أنه غير موجود. إذا اكتشف البشر شيئاً جديداً، أو مفهوماً جديداً، لا دلالة له في كلامهم، فهم سيبتكرون، على الأرجح، لفظة خاصة للدلالة عليه. إذا كانت اللفظة مهمة للناس، ستكون من لفظات الحاجة وسيتحقق الاصطلاح على لفظها ومعانيها، وستنضم إلى كتلة الكلام بالطريقة البدائية نفسها، تقريباً، أي كما انضمت اللفظات البشرية الثنائية الأولى إلى كتلة الكلام الأولى. هي لفظات مثل *مأ (ماء)، *كل (الأكل، الكل)، *خط (خطر)، *أر (أرض)، وغيرها مئات يبدو أنها لم تتغير منذ ثلاثين أو أربعين ألف سنة وربما أكثر من ذلك.

للرعب في كتلة الكلام وجود لأنَّ للرعب وجود. «رعب» ثلاثية الحروف أصلها الثنائي *رع وهو ينتمي إلى الفصيلة اللغوية ✥رع⇆عر. مصدر الرعب الله *رع (الراعي)، وما يرسله الله الغاضب إلى الناس «الرعد». وللتلبية في العربية وجود، فهي قول الناس «لبيك اللهم لبيك». وظيفة تأصيل الكلام الايضاح أن «لبيك» مركّب من لفظتين «لبي»، «لك/إليك». اللب هو «القلب» فالناس تقول: «لبي لك يا الله». بما أن *لب من كلام الأصل اللغوي العاربي، وهو من كلام الآكادية «libb» فالأرجح أن عمر اللفظة أكثر من أربعة آلاف سنة على الأقل. هذا في مُخلد الكلام، لكن اللفظة من مبنى النوى اللغوية، فهو أقدم المباني اللغوية في العاربة والعربية، وتاريخ إخراجه «مفتوح» فربما ابتكره الانسان قبل عشرة آلاف سنة، وربما قبل عشرين ألف سنة وربما قبل أربعين أو أكثر.

By Maler der Grabkammer der Nefertari – The Yorck Project: 10.000 Meisterwerke der Malerei. DVD-ROM, 2002. ISBN 3936122202. Distributed by DIRECTMEDIA Publishing GmbH., Public Domain, https://commons.wikimedia.org/w/index.php?curid=154292

وقيل إن أوهى الحبر أدوم من أقوى ذاكرة، والنقش أدوم من الحبر والورق. وهذا صحيح في معظم الحالات، إلا أن تحليل الكلام الصغير في المحكيّات العربية الحرجة، مثل المصرية والشامية والفلسطينية لمجاورتها جزيرة العرب، يكشف أن أول كلام الحاجة لا يزال كلام اليوم. اسم الانسان الحديث هو الانسان المفكر، أو الانسان العاقل. إذا نظر مؤصّل الكلام اللفظ الأول سيستنتج أن أول الخلق لم يعتبره مفكراً أو عاقلاً، بل «آكلاً». مجموع القوم في العصر البشري الأول كان مجموع أفواههم. *كل تعني «الجميع»، لكنها الأصل نفسه للفظة «أكل». *أب لا تعني أكثر من الشيء المنتصب، و«ابن» لا تعني سوى الشيء الذي ينمو أو يرتفع. لهذا يشترك الابن والبناء في الأصل الثنائي نفسه، ويشترك الأب في لفظة واحدة مع النبات *أب في انتصاب قامته.

تأصيل الكلام كشف للباحثين المشاركين مفاجأة لغوية بعد أخرى. أحدث المباني اللغوية في العربية (الثلاثي) عمره سبعة آلاف سنة، على الأقل. المباني اللغوية التي يجدها الباحث في لغة مثل الآكادية، أقدم لغة مُخلدة في تاريخ الانسان الحديث، هي المباني اللغوية في العربيّة. أصل كلمة نوم تعني «الذهاب بعيدا» (نأم ← *نأ)، الشيخ والشخير والشخاخ والشختورة (سفينة قديمة) من أصل ثنائي واحد *شخ، من معانيها «استطالة الأشياء»، وهذا ما تشترك اللفظات هذه فيه. مثال آخر يُنظر هو *لب. في الكلام «لبن ولبان ولبَاس» هي جميعاً نسائل *لب، تجمعها حالة بيانيّة واحدة هي «الاحتواء»، أي أن الضرع يحتوي اللبن (الحليب)، والشجرة تحتوي اللبان، واللباس يحتوي الجسم. حتى عندما ابتكر أهل العربية لفظة بديلة للب وأخرجوا «قلب»، بقيت *لب في الكلمة الجديدة لكن المبنى اللغوي تغيّر فحلّت *لب في الحرفين الثاني والثالث من «قلب» فيما حلّت في الأمثلة الثلاثة الأولى مكان الحرفين الأول والثاني.

في العربية نحو ستة آلاف كلمة صحيحة هي مجموع ما أخرجه الناس خلال ثلاثين ألف سنة من أقل من 450 نواة أو أصل ثنائي. وفي كلام النصوص ألوف اللفظات التي اخترعتها جماعة الكلام، معظمها ليس من كلام الحاجة. هذا الوضع اللغوي لا يسري على المحكيّات. ليس في المحكيّات غير كلام الحاجة، وليس فيها لفظات لا يعرفها الناس اليوم أو قبل ألوف السنين.

اشتراك اللفظ والمعاني في الكلمة المُتفرّدة الواحدة أساس تواصل الناس وتفاهمهم. إذا صاح الرجل بجماعته: «في كهفي سبع!» عرفت الجماعة تمام قصده فهبّت إلى نجدته. إذا صاح: «في هكفي بعس!» لن يفهمه أحد، وربما تركوه وشأنه، فأكله السبع وعياله. عصر ابتكار كلام الانشاد والحسب والنسب والأديان ليس عصر ألفيّات عصر الحجر الذي اقتضت ظروفه الحياتية والبيئية ابتكار كلام الحاجات الحرجة. إذا لم يتحقق اصطلاح القوم على اللفظ والمعنى لن يتحقق التفاهم. إذا لم يتحقق التفاهم لن تستمر الحياة. الفرق، في المثال الافتراضي الذي تقدّم، ليس بين من يعرف الكلام الصحيح ومن لا يعرفه، بل الفرق بين الحياة والموت، حياة الفرد وحياة القوم؛ بقاء الفرد والجماعة والنوع. لهذا يُقال إن أول المهارات التي يتعلمها الطفل هي التواصل مع الآخرين.

تأصيل الكلام يظن أن أحد الفروق المهمة بين الانسان الحديث الذي عمّر الأرض، وعشرات أجداد الانسان الحديث وأشباه الانسان الذين جابوا الأرض منذ ملايين السنين ولم يخلّفوا بناءً واحداً وراءهم، هو الفرق بين الحاجة التي فرضت على الانسان الحديث ابتكار اللغة القادرة على التعبير عن مفاهيم معقدة، وبين الحاجة إلى إداة تعبيرية تواصلية محدودة قامت في معظمها على الهمهمات والحركات الجسدية والايماءات.

تطوير تواصل الانسان الحديث اقتضى تطوير تخاطب الانسان مع نفسه بلغة دلاليّة مُعبّرة. هذا اقتضى خلق الآخر في النفس الواحدة. من رحم *أن (أنا) خرج كائن ناطق أسماه «أنا الآخر» كان الطرف المقابل في مقادحة داخليّة فكرية متواصلة فصلت الانسان الحديث عن أجداده إلى الأبد، لكنها لم تستطع فصله عن البيئة الوحشية نفسها. بقاء الانسان الحديث اقتضى أن يكون كائنين في كائن واحد. الآدمي في بيئته الآدميّة مع أسرته وجماعته، والوحشي في بيئة وحشيّة فرضت على الانسان الحديث أن يكون وحشاً. في عالم الانسان الحديث حالتان مكانيتان في وحدة لغوية واحدة «أن⇆نأ». لفظة الحالة الأولى هي لفظة المحكيّة هون، أي «هنا». أصلها «هـ-أن». *ان أصل «إنَّ وأن والآن وأنا»، فهي مكانيّة حاضرة. لفظة الحالة الثانية *نأ ومنها نأى ينأى «ابتعد»، والنائي «البعيد». الحالة البيانية لهذه الوحدة اللغوية حالة المقابلة المكانية: هذا المكان والآخر، أنا، وأنا الآخر، لكن لا «أنا والآخر». الفرق يتضح إن خاطب الانسان نفسه: «أنا وأنت في الجسد الواحد» لا «أنا والآخر». الآخر ليس الانسان الحديث بل كائن قديم حمل إلى الانسان الحديث عصر الرعب الأعظم: عصر *هو ← هوم، و*هو ← هول.